6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية

قراءة في كتاب لجمال حمدان




الناشر : دار الهلال

عدد الصفحات :446

تعد حرب أكتوبر رابع مواجهة عسكرية عربية إسرائيلية، جاءت بعد فترة طويلة من التخطيط والاستعداد، والتي بموجبها انهارت نظرية الأمن الإسرائيلي بكل أسسها ومقوماتها، وانهارت سمعة الجيش الإسرائيلي الذي ذاعت شهرته في الآفاق بأنه الجيش الذي لا يقهر، وتعتبر حرب أكتوبر 1973 بكل المقاييس الاستراتيجية في ظل الأوضاع العالمية والإقليمية السائدة لحظة اشتعالها وموازين القوة العسكرية الإسرائيلية والعربية.. معجزة عسكرية انتزعت بها الأمة العربية النصر فاستعادت عزتها وكرامتها.

وهنا جاء دور “جمال حمدان” الذي أفنى عمره كله وقلمه للبحث في الشخصية المصرية وخصائصها وتفردها، وكان هدفه الحقيقي كما كتب في مقدمة كتابة “ما نود أن نقدمه اليوم في هذه الدراسة هو عرض منهجي علمي “لا إعلامي” بقدر الإمكان ومسح عام ولكنه شامل في حدود الممكن والمتاح، لتلك المعركة المجيدة، لا يضعها هي وحدها فقط في البؤرة وتحت المجهر، وإنما كذلك يضع الصراع المصيري كله في إطارها. نريد، بعبارة أخرى، أن نرصد القضية نفسها وبأسرها من خلال منظور المعركة ومنظارها، كأنها المنشور الذي تمر منه كل أشعتها وخيوطها لتنصب في حزمة ضوئية واحدة نهائية أو تتحلل إلى عواملها وطيوفها الأولية . المطلوب هو ألا نحلل خيوط هذه المعركة وكفى، وإنما كذلك أن ننسجها في شبكة الصراع كله”.

ويعد هذا الكتاب دراسة من الدراسات التي تميزت بالجدة والأصالة والرصانة؛ فقد تميزت ببناء علمي محكم وبتحليلات إحصائية دقيقة إلى حد بعيد؛ وتدفقت لغته بشكل سلس ومعبر وخال تمامًا من الاضطراب، فقد اعتمد فيها “حمدان” على مشاهدات عصره وقام بتحليل هذه البيانات وخرج لنا بدراسة تقييمية شاملة لمحيط معركة أكتوبر بكل أبعادها وفي أوسع أطرها، وذلك ابتداء من تطوراتها الموضعية الميدانية إلى موقعها من الاستراتيجية العالمية برمتها، مرورًا بكل أصدائها وإشعاعها وانعكاساتها العسكرية والسياسية، وكذلك نتائجها واحتمالاتها الجيوستراتيجية والجيوبولتيكية.

يقع هذا الإصدار في أحد عشر بابًا مختلفًا يرصد في كل باب أحد الجوانب والأطر الواسعة والضيقة لحرب أكتوبر، فبدأ في بابه الأول بـ” قدس الأقداس”، وهنا جسد عاشق المكان أهمية سيناء وموقعها كونها المكان التي دارت عليه هذه الملحمة وكموضع لأحداث خطيرة ومهمة على مدى العصور، سواء للمصريين أو للعالم أجمع، بحكم التحامها كحلقة وصل بين مصر الإفريقية وقارة آسيا كلها. كما يعرض المعلومات الإحصائية حول البشر على أرضها وطبيعتها الديموغرافية، كذلك قام “حمدان” بالتركيز في هذا الفصل على شبكة سيناء الاستراتيجية ومحاور وخطوط دفاعها التي تحدد معالمها كمسرح قتال وترسم الهيكل القاعدي في جغرافيتها العسكرية، ثم يخرج لنا بمصلح جديد ومعنى سيناء في الوجود المصري ومستقبل الوجود في سيناء، ثم يأتي الفصل الثاني وما بعده يدور حول المعركة: مقدماتها وخططها، ثم مراحلها العسكرية البارزة ابتداء من العبور التاريخي إلى اقتحام خط العدو، فتحرير القاعدة الأرضية العريضة في غرب سيناء، وأخيرًا عملية التسلل أو الثغرة تأكيدًا لوحدة المعركة على الجبهتين المصرية والسورية، ثم يستكمل العرض مباشرة ودون انقطاع بتحليل مركز المعركة السورية، فيحدد المسرح الطبيعي ثم تطورات المعركة ومن ثم مراحلها الأخيرة.

ثم يأتي الفصل السادس الذي عنون تحت اسم “السادس من أكتوبر في الاستراتيجية العسكرية” وفيه يستعرض “حمدان” أهمية معركة أكتوبر وخطتها واستراتيجيتها ، محاولاً أن يحدد أصالة معركة أكتوبر وأوجه تفردها وريادتها، ثم يشخص مقوماتها وملامحها الأساسية، وذلك في “السلاح وأنواعه ونوعيته واستخدامه، ثم يدخل في القوة البشرية أو (العامل البشري) الذي هو أهم العوامل المؤثرة في تلك الملحمة الخالدة، من الزمن والطبيعة والتكنولوجيا،  فقد حقق العرب نصرهم بفضل العامل البشرى أساسًا، كمًا وكيفًا. واستكمالاً للموضوع قام “حمدان” بدراسة مقارنة للسادس من أكتوبر في الاستراتيجية الإقليمية، فعقد مقارنة بين حرب أكتوبر وحرب الهند- باكستان، آخر حرب محلية سبقت أكتوبر أو قربها شبهًا، وذلك على كثير  من النواحي العسكرية والسياسية بل والتصارع العام، ثم مضى إلى مقارنة أكثر تفصيلاً بين معركة أكتوبر ونقيضها معركة يونيو.

ثم يأتي فصل بنفس عنوان الكتاب “6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية”، وخلاله يتنقل “حمدان” من الضيق إلى الواسع، من الإطار المحلي إلى العالمي فيقول:”فأصداء 6 أكتوبر وأضواؤه، إشعاعاته وانعكاساته، تملأ الدنيا وتلف الكرة الأرضية وتتردد في كل أرجائها.. لا أقل أنها ليست مجرد حدث عسكري مدوٍّ أو فرقعة محلية مبهرة، علينا إذن أن “نركب” المعركة في منحنيات الاستراتيجية العالمية وفي معادلة القوة الدولية.

وضع “حمدان” فصلاً عن العرب والمعركة فجاب فيه عن تأثيرات يونيو السياسية وطنيًا وقوميًا ودوليًا، ثم الانقلاب الذي أحدثه 6 أكتوبر في دنيا العرب على المستويات الثلاثة نفسها، مغزاه، مداه، مستقبله ومستقبلهم. ولما كانت معركة أكتوبر على وجهها الآخر هي معركة بترول، فقد أفرد فصلاً كاملاً عن حرب البترول وتطوراتها وأبعادها ووقعها على العالم.

وبما أن “حمدان” قد أفرد فصلاً عن العرب والمعركة فوضع فصلاً عن العدو والمعركة، فبدأ بطرح موقف العدو المتغطرس والمفتون قبل أكتوبر، وخططه ومشاريعه ونواياه وتصريحاته وعربدته واعتدائه، حتى انقلبت الصورة بعد حرب أكتوبر وأصبح الأمر مختلفًا أمام المرآة.

وفي نهاية الكتاب أفرد “حمدان” فصلاً من أهم الفصول التي تبحث في دراسة الخطط المستقبلية، فقد طرح مجموعة من الأسئلة أهمها: متى وهل ينسحب العدو من الأراضي العربية المحتلة، أهو الحل السياسي أم الحل العسكري مستقبلاً، ما معامل الأمل واليأس في عودة فلسطين.. وحول هذه الأسئلة وغيرها يدور الفصل الأول منها على القريب والثاني على البعيد، وفي الحالتين تبرز أهمية حرب أكتوبر كحجر الزاوية والأساس في هذه الخطط المستقبلية.

وفي النهاية، فهذا الكتاب هو كتاب معركة أكتوبر كما ينبغي أن يكون وكما يقرؤه المواطن الذكي والقارئ العصري المثقف، وهو عمل فكري يستوعب كل التفاصيل، وهذا ما عهدناه على “جمال حمدان” عاشق مصر، وفيلسوف المكان.