التعويم المنتظر.. التبعات الاقتصادية والاجتماعية - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
التعويم المنتظر.. التبعات الاقتصادية والاجتماعية

التعويم المنتظر.. التبعات الاقتصادية والاجتماعية




تثير أزمة توفير النقد الأجنبي مخاوف المتعاملين في السوق المصري من مستثمرين أجانب ومحليين على حد سواء، بل تعدى الأمر ليمس حياة المواطن العادي والتخوف من مواجهة أزمة ارتفاع الأسعار نتيجة التكهن بتعويم، مدار أو حر، للجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، فارتفاع الأسعار من شأنه أن ينعكس على رضاء المواطنين، سياسيًا واجتماعيًا، لاسيما أنهم يتحملون العبء الأكبر من ارتفاع الأسعار وفاتورة استيراد السلع الغذائية الرئيسية من الخارج.

وتسعى الحكومة لإجراء إصلاحات هيكلية لمعالجة الخلل المستمر في المالية العامة، وإصلاح الجهاز الإداري، لتحسين بيئة الأعمال من أجل جذب الاستثمار الأجنبي لتحفيز النمو الاقتصادي.

14632758_1153121688110618_467084845_o

ووفقًا لمؤشر آفاق الاقتصاد المصري الصادر عن البنك الدولي في 3 أكتوبر من العام الجاري، فقد توقع البنك الدولي أن ينمو إجمالي الناتج المحلي بنسبة 3.8% خلال السنة المالية 2016، وهو ما يقل قليلاً عما تحقق من نمو في السنة المالية 2015 وكانت نسبته 4.2%، وتأتي أزمة النقد الأجنبي في مقدمة العوامل التي دفعت النمو الاقتصادي للانخافض.

واستنادًا لما سبق، سيتناول التحليل أزمة توفير النقد الأجنبي، وكذلك التوجه نحو تحرير سعر الصرف، ومن ثم التطرق لأهم التبعات الاقتصادية والاجتماعية لهذا الإجراء.

المحور الأول ـ أزمة النقد الأجنبي

لا شك أن عدم التوازن بين المطلوب من النقد الأجنبي، وما هو معروض منه عمق  من أزمة النقد الأجنبي، ففي الوقت الذي يتزايد فيه الطلب على الدولار من أجل متطلبات الاستيراد، على السلع الاستهلاكية والإنتاجية، بينما يشهد عرض الدولار تراجعًا حادًا.

متطلبات الاستيراد؛ ففي الوقت الذي يتزايد المطلوب من العملات الأجنبية، الدولار، لمتطلبات الاستيراد، حيث تستورد مصر بما قيمته 70 مليار دولار سنويًا، يشهد المعروض من النقد تراجعًا حادًا، ولاسيما بعد تعرض قطاع السياحة لضربة موجعة بعد حادثة تحطم الطائرة الروسية الإرهابي وكذا تحطم الطائرة المصرية. أضف إلى ذلك انخفاض تحويلات العاملين بالخارج، وعزوف المستثمر الأجنبي بسبب القلاقل الأمنية الداخلية، وكذلك اضطراب سوق النقد الأجنبي، وتسببت تلك الأزمة في الضغط المستمر على المركزي المصري، والذي يتبع سياسة التعويم المدار للجنيه المصري أمام الدولار، للحفاظ على استقرار نسبي لقيمة الجنيه في سوق الصرف الأجنبي.

السوق السوداء؛ يبدو أن ازدهار السوق السوداء لصرف العملات الأجنبية كانت على حساب قيمة الجنيه المصري، وتتراوح الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي ما بين 45: 60%، فالسعر الرسمي للدولار يبلغ 8.78 قرش والسعر في السوق السوداء، يتراوح بين 13:20: 14.1 جنيه للدولار. ومن ثم، فإن هذه الفجوة من شأنها أن تقود السعر الرسمي إلى مزيد من التخفيض بنهاية العام.

مناخ الاستثمار؛ بشكل عام، يعد مناخ الاستثمار في مصر غير مواتٍ، وتراجع ترتيب مصر عالميًا، إذ إنها تحتل الآن الترتيب رقم 131 عالميًا في تصنيف البنك الدولي، وفق مؤشر سهولة ممارسة الأعمال لعام 2016، مع الأخذ في الاعتبار أنها تأخرت في هذا الترتيب مقارنةً بتصنيف عام 2015 الذي حلت فيه في المرتبة 126 عالميًا، وتراجع الاستثمار الاجنبي بشكل كبير منذ عام 2011.

وعلى المستوى التفصيلي، تحتل الترتيب 133 عالميًا في مؤشر حماية المستثمرين الأقلية، والمرتبة 71 في مؤشر الحصول على الائتمان، وينعكس ذلك في عدم قدرة عدد من الشركات الأجنبية العاملة في السوق المحلي الوصول إلى الائتمان، وخاصة من النقد الأجنبي لمتطلبات استيراد المواد الوسيطة.

المحور الثاني ـ سياسة التعويم الحر (المدار للجنيه المصري)

يعد التعويم أحد أساليب إدارة السياسة النقدية ويقصد به ترك البنك المركزي سعر صرف العملة لتتحدد قيمتها وفقًا لقوى العرض والطلب في السوق النقدية دون تدخل المركزي في تحديد قيمة الجنيه، أي معاملة الدولار كأي سلعة سوقية، فعلى سبيل المثال تحدد قيمة كيلو جرام من السكر وفقًا لطلب المستهلكين وكذلك عرض المنتجين له في السوق، فإذا كان هناك وفرة في سلعة السكر فإن سعره سيكون منخفضًا أو بالأحرى مناسبًا، بينما عدم توافره يدفع في اتجاه ارتفاع سعره، وكذلك الدولار.

وعمليًا.. تختلف سياسات البنوك المركزية حيال تعويم عملاتها تبعًا لمستوى تحرر اقتصادها الوطني؛ بيد أن هناك نوعين من التعويم، أولهما: التعويم الكامل/ الحر للعملة، وهذا تتبعه الدول الصناعية الكبرى، وثانيهما: التعويم المدار/ المقيد والذي تتبعه معظم دول العالم النامي. لذا يتبع البنك المركزي المصري أسلوب التعويم المدار في إدارته لسعر صرف الجنيه المصري.

ومؤخرًا انتهج البنك المركزي سياسة أكثر مرونة لسعر صرف الجنيه أمام الدولار، حيث قام المركزي بتخفيض قيمة العملة المحلية 1.12 جنيه في مقابل الدولار دفعة واحدة. وأعلن أنه سينتهج سياسة أكثر مرونة لسعر صرف الجنيه تعكس القيمة الحقيقية له وفقًا لآليات العرض والطلب، وللمقدرة على إتاحة قدر أكبر من المعروض من النقد الأجنبي.

وفي واقع الأمر سيتحرك سعر الجنيه المصري بالانخفاض في الأيام القليلة القادمة في ظل تراجع موارد النقد الأجنبي تراجعًا حادًا، ولكن لا نظن بأي حال من الأحوال أن يترك هذا السعر حرًا تمامًا أي “تعويم كامل”، لأن هذا الأسلوب سيدفع لانهيار قيمة العملة الوطنية تمامًا، فلم يصل الاقتصاد الوطني لمرحلة النضج بعد لتعويم كامل للعملة.

المحور الثالث ـ أهم التبعات الاقتصادية والاجتماعية

يمكن قياس أهم التبعات الاقتصادية والاجتماعية من خلال عدد من مؤشرات الاقتصاد الكلي:

1ـ ارتفاع معدلات التضخم:

اتخذت الحكومة حزمة من الإجراءات أهمها خفض الدعم على المحروقات والكهرباء، وكذلك إقرار قانون القيمة المضافة كسياسة مالية تهدف إلى ضبط العجز المالي الذي وصل إلى 11.5% من إجمالي الناتج المحلي عام 2015، أضف لذلك التخفيض المتوقع لقيمة الجنيه المصري التي ستدفع إلى مزيد من ارتفاع الأسعار.

لذلك يتوقع البنك الدولي في تقرير مرصد الاقتصاد المصري لشهر أكتوبر 2016 أن يرتفع معدل التضخم إلى 17% عام 2017 بعد أن وصل إلى 10.2% عام 2015، ليعاود الانخفاض إلى 13% في عام التالي 2018. هذا الارتفاع الكبير في الأسعار يستلزم ضبط الأسواق وإصدار أسعار استرشادية لمختلف السلع الأساسية.

2ـ معدلات الفقر:

وفقًا للإحصاءات الرسمية فإن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر في مصر بلغت نحو 27.8% عام 2015 مقارنة بنحو 22.7% عام 2014، أي نزول أكثر من 1.37 مليون مصري تحت خط الفقر المُعلن خلال العامين الماضيين بنحو 25.36 مليون نسمة، بحساب عدد سكان مصر البالغ 91.2 مليون نسمة وفقًا لما هو معلن في يوليو 2016، وفي حالة تعويم الجنيه وانخفاض قيمته أمام الدولار في ظل جمود الأجور وانخفاض القوة الشرائية سيستتبع ذلك زيادة نسبة الفقراء تحت خط الفقر المعلن بنحو 1.9$ لليوم لكل فرد عالميًا. وهذا سيتطلب جهودًا مضنية لاستكمال البرامج الاجتماعية التي تبنتها الحكومة مؤخرًا أهمها “برنامج تكافل وكرامة” والبرامج الموجهة جغرافيًا مثل برنامج التنمية الاقتصادية لمحافظات صعيد مصر بتقليص الفقر في المستقبل.

3ـ مؤشرات أخرى:

يأتي على رأسها خفض القيمة الحقيقية لمدخرات الأفراد، وسيدفع ذلك في اتجاه رفع سعر الفائدة لجذب مزيد من المدخرات في الوقت الذي تخطي فيه سعر الفائدة السوقي حاجز 12%، بيد أن مردود ذلك سيكون بالسلب على الاستثمار المحلي لارتفاع تكلفة الإقراض، وكذلك انخفاض قيمة الدين العام المحلي، وقد يحسن هذا الانخفاض من تنافسية الصادرات، وسيقيد بالطبع حجم الواردات التي تخطت حاجز 70 مليار دولار، وربما ينعكس ذلك بالإيجاب على  العجز في ميزان المدفوعات، وربما رفع تكلفة الواردات نظرًا لاستيراد عدد من السلع الاستراتيجية للاستهلاك المحلي، وكذلك السلع الوسيطة لأغراض الإنتاج من الخارج.

إجمالاً.. هذه التبعات من شأنها تأجيج الاحتجاجات الشعبية لارتفاع كلفة المعيشة وعدم المقدرة على توفير الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب ومسكن ودواء من جهة، ومن جهة أخرى قد تدخل في إطار أكثر تنظيمًا، واصطدام محافظ البنك المركزي مع المستثمرين والصناع والذين يلجئون للسوق الموازية لتوفير العملة الصعبة لتوفير احتياجاتهم من المواد الوسيطة، كما أن توقف بعض فروع إنتاج الشركات دولية النشاط لن يكون في صالح معدل نمو اقتصادي أفضل لمصر. وتعد المشاريع الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي متمثلة في برنامج “تكافل وكرامة”، وبعض البرامج الجغرافية الموجهة “برامج تنمية محافظات الصعيد” من شأنها أن تقلل من حدة ارتفاع تكاليف المعيشة، وكذلك توفير فرص عمل جديدة من خلال بعض المشاريع ذات الطابع القومي.


المصادر:

3-    FRANCISCO FERREIRA، رفع خط الفقر العالمي إلى 1.90 دولار في اليوم، إلا أن المعدل العالمي للفقر لم يتغير في الأساس.. كيف يمكن ذلك؟، بتاريخ 4 أكتوبر 2015، https://goo.gl/yXlP4o
4- روسيا اليوم، الاقتصاد المصري.. بين لعنة الدولار وتعويم الجنيه، بتاريخ 8 أكتوبر 2016.