"الذئاب المنفردة" و تركيا .. إلي أين؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
“الذئاب المنفردة” و تركيا .. إلي أين؟

“الذئاب المنفردة” و تركيا .. إلي أين؟




أدى انحسار البقعة الجغرافية التي يُسيطر عليها تنظيم «داعش» الإرهابي في سوريا والعراق ـ منذ بدء التدخل العسكري الروسي ـ وتداعي إمبراطوريته النفطية إلى إحداث تغيير كبير في استراتيجيات المواجهة وتكتيكات القتال لدى التنظيم. كان من بين تلك التغيرات دعوة التنظيم في مايو الماضي اتباعه بالقيام بعمليات فردية ضد الدول التي تشارك في الحملات والتحالفات العسكرية ضده. وردّا على تلك الدعوة شن أفراد موالون أو متأثرون بفكر التنظيم هجمات فردية في عدة دول وهو ما يُعرف بنمط «الذئاب المنفردة». فكيف يبدو هذا النمط، وإلى أي مدى ترددت أصداء عملياته، وما مدى ارتباطه الاستراتيجي بمستقبل التنظيم الإرهابي و تَغيُّر خريطة دعمه اللوجيستي؟

«الذئاب المنفردة».. أشخاص ينفذون هجمات بشكل منفرد دون أن تربطهم علاقة واضحة بتنظيم داعش، ويعبّر هذا المصطلح عن أي شخص يمكن أن يشنّ هجومًا مسلحًا بدوافع عقائدية أو اجتماعية أو نفسية أو مرضية أو سياسية، تصب في محصلتها بتعاظم عمليات التنظيم الإرهابي واستهدافه عواصم ومؤسسات حيوية بعيدة عن مركزية قيادته وبقعته الجغرافية الوليدة بمناطق الشرق الأوسط، وتخفيف الضغط الواقع عليه بمناطق نفوذه. فهم أفراد ينفذون عمليات قتل بشكل انفرادي دون وجود بنية تنظيمية توجهها وتخطط لها، أو يتحركون بتأثير من دعاية التنظيم الاحترافية، وقد يكونون ليسوا مكلفين بهذه المهمة من قِبَل قيادته بأي طريقة، لكن غالبًا ما تخضع العمليات الكبيرة والمؤثرة لـ«الذئاب المنفردة» لتخطيط وتوجيه التنظيم الإرهابي. استغل تنظيم داعش استراتيجية «الذئاب المنفردة» لينفذ عددًا من العمليات الكبرى في قلب الدول الغربية والعربية؛ أبرزها:

1ـ. تفجيرات بروكسل:

نفذ موالون لـ«داعش» سلسلة من الهجمات في العاصمة البلجيكية، استهدفت مطار بروكسل ومحطات للقطار يوم 22 مارس/آذار 2016، وأدت إلى مقتل حوالي 34 فردًا وإصابة العشرات.

2 – سلسلة هجمات باريس في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، التي راح ضحيتها 130 فردًا، ثم الاعتداء على ضابط شرطة ورفيقته على يد شخص مؤيد لـ«داعش» في 14 يونيو/حزين 2016، بينما يعد هجوم شاحنة «نيس»، الذي تبناه تنظيم «داعش»، يوم 14 يوليو/تموز 2016، الأعنف بعد تفجيرات باريس، حيث استخدم المهاجم وهو من أصل تونسي تكتيكًا جديدًا وهو الدهس بشاحنة ضخمة مع إطلاق النار، وأدى ذلك إلى مقتل نحو 84 شخصًا وإصابة العشرات.

3 – قطار ألمانيا:

نفذ طالب لجوء أفغاني، 17 عامًا، موالٍ لـ«داعش» عملية طعن من خلال مهاجمته إحدى القطارات الألمانية يوم 18 مايو/آيار 2016؛ مما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص.

4- هجوم باردو:

استهدف ثلاثة تونسيين موالون لـ«داعش»، متحفًا «باردو» في تونس يوم 18 مارس/آذار 2015؛ مما أدى إلى مصرع أكثر من 20 فردًا وإصابة 50 آخرين؛ مما وجه ضربة قوية للقطاع السياحي التونسي.

 

  1. مسجد الصادق في الكويت:

وقع في 26 يونيو/حزيران 2015 وتبناه تنظيم «داعش»، وقتل فيه 28 شخصًا وأصيب أكثر من 200 معظمهم مواطنون كويتيون شيعة. نفذ الهجوم مقاتل سعودي الجنسية بمساعدة أفراد آخرين كويتيين تابعين للتنظيم.

 

  1. تفجيرات السعودية:

فجر أحد أتباع «داعش» نفسه في مسجد قوات الطوارئ بمدينة «أبها» السعودية يوم 6 أغسطس/آب 2015، ونتج عنه مقتل 15 فردًا وإصابة آخرين، وقبل ذلك تبنى التنظيم تفجيرًا انتحاريًّا استهدف في مايو/أيار 2015 مسجدًا في بلدة «القديح» شرقي المملكة، وأوقع 21 قتيلًا و123 جريحًا.

 

من المُلاحظ أن أوروبا كانت مسرحًا لعمليات «الذئاب المنفردة»، إذ تُشارك غالبية حكوماتها في التكتلات العسكرية لمواجهته بسوريا والعراق وليبيا، ومنه لجأ التنظيم الإرهابي إلى إرباك تلك الحكومات ومحاولة الضغط عليها للانكفاء على ذاتها وفكّ ارتباطها الاستراتيجي المرحلي بالتحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، أو الدفع بتعزيز حالة التخوف من المهاجرين والإسلاموفوبيا، مما يدفع هذه الدول إلى اتخاذ إجراءات أكثر تطرفًا تزيد من حوادث العنصرية و الاعتداء على المواطنين المسلمين، مما يخلق بيئة تقذف بالعديد من الناقمين على هذه السياسات، ومن ثم تتسع الحاضنة الشعبوية لمثل تلك العمليات الإرهابية، بوجود منفذين جدد لم يخضعوا قبل لذلك لرقابة أجهزة الأمن والاستخبارات بالعواصم الأوروبية.

 

وبتشريح هجمات «الذئاب المنفردة» الآنفة، نجد أنها توزعت على عواصم عدة، هدفت في خطها الاستراتيجي معاقبة التكتلات السياسية؛ كالاتحاد الأوروبي في بروكسيل، وكذلك الدول كلٌّ على حدة، وهو ما يتضح في هجمات فرنسا وألمانيا. ومن هذا الخط الاستراتيجي تعاظم بنك أهداف تنظيم داعش وذئابه المنفردة ليشمل دولًا إضافية، احتلت تركيا المراتب الأولى لأهداف التنظيم، فما الذي دفع التنظيم الإرهابي لإدراج تركيا ببنك أهدافه؟

تركيا و«داعش».. من اتفاق إلى طلاق

 

بداية تمركز تنظيم داعش بالشمال الشرقي السوري؛ لاحتوائه على غالبية الاحتياطي النفطي الذي يمثل المورد الأساسي لرأس مال التنظيم ومصدر تمدده وبقائه الحقيقي، ومن هذه المنطقة اندفع التنظيم نحو الشريط الحدودي السوري المتاخم لتركيا، وخاض معارك عنيفة هناك مع سائر الفصائل المسلحة الإرهابية بموجب قرارات مجلس الأمن؛ كالنصرة أو الفصائل التي تُصنّف كمعارضة معتدلة بحسب أدبيات واشنطن والعواصم الغربية؛ لتثبيت السيطرة على الطرق الحاكمة المؤدية لتركيا، تمهيدًا لبيع النفط وضمان حلقة وصل خارجية لقدرته النفطية الإنتاجية.

 

السوق الخارجية: تركيا حلقة الوصل

تعد السوق الخارجية لنفط داعش من أهم عوامل تمدده و بقائه؛ نظرًا لزيادة الطلب في السوق السوداء لانخفاض أسعاره، والعائد المادي الكبير ما بين المال والسلاح الذي يأتي بمقايضة النفط.

«التدفقات المالية الناتجة عن الإتجار بالمشتقات النفطية موجهة ليس إلى زيادة ثروة القيادة السياسية والعسكرية في تركيا فحسب، بل يعود جزء كبير من تلك الأموال بشكل أسلحة وذخيرة ومرتزقة جدد من مختلف الألوان»، هكذا تحدث الجنرال أناتولي أنطونوف، نائب وزير الدفاع الروسي في إحدى مؤتمرات وزارة الدفاع، كما شدد أناتولي انطونوف على أن القيادة التركية العليا والرئيس رجب طيب أردوغان متورطون شخصيًّا في الاستخراج غير الشرعي للنفط العراقي والسوري وتهريبه إلى تركيا.

 

لم تكتفِ الدفاع الروسية بتوجيه الاتهامات فحسب، بل كشفت عن مسارات تهريب النفط السوري والعراقي إلى تركيا، بدوره ذكر سيرغي رودسكوي، رئيس مديرية العمليات العامة التابعة لهيئة الأركان الروسية، أن وزارة الدفاع حللت الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية الروسية، وكشفت عن 3 مسارات رئيسة لتهريب النفط من سوريا والعراق إلى تركيا.

وذكر أن المسار الغربي يؤدي إلى الموانئ التركية المطلة على البحر الأبيض المتوسط، أما المسار الشمالي فنقطة الوصول النهائية عليه هي مصفاة «باتمان» في تركيا، فيما يؤدي المسار الشرقي إلى مدينة جزيرة بن عمر التركية.

وأوضح رودسكوي أن النفط الذي يجري استخراجه من حقول بمحيط الرقة السورية، يُنقل ليلًا بصهاريج إلى شمال غرب سوريا، ومن ثم إلى بلدة إعزاز السورية ومنها إلى الريحانية التركية، ليتم توريد النفط لاحقًا إلى ميناءي ديورتيول واسكندورنة، حيث يتم شحن جزء من النفط على متن سفن وإرساله إلى الخارج للتكرير، أما كميات النفط المتبقية، فيجري تسويقها في السوق التركية الداخلية.

 

كما قالت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في 13 سبتمبر: إن إدارة أوباما تبذل المزيد من الجهود للضغط على تركيا لتضيق الخناق على مبيعات داعش المهولة من النفط، مشيرة إلى أن تركيا لم تضيق الخناق على هذه المبيعات؛ لأنها تستفيد من سعر أقل للنفط، ويعتقد أن هناك مسؤولين في الحكومة ومواطنين أتراكًا ينتفعون من تلك التجارة.

كما صرحت النائبة البرتغالية في البرلمان الأوروبي، أنا غومز، بأن هنالك بلا شك دولًا أعضاء في الاتحاد الأوروبي تشتري هذا النفط، في إشارة لنفط داعش المهرب من ميناء جيهان التركي، والذي يعتبر حلقة الوصل الأهم لوصول نفط داعش ليس فقط لأوروبا بل لأي وسيط، حيث ذكرت وكالة رويترز في تقرير لها «أن شحنات النفط تتغير على أكثر من ناقلة قبل الوصول لوجهتها النهائية. عملية نقل كهذه وقعت في يوليو من العام الماضي ببحر الصين».

 

شكَّل النفط مع العديد من العوامل المُركّبة الأخرى المتعلقة بالجغرافية العسكرية بالشمال السوري، حجر الزاوية للتنسيق التركي مع التنظيم، لكن سرعان ما دفعت التغيُرات الميدانية السريعة وتقاطع المصالح، والتفاهمات المرحلية بين لاعبي الأزمة السورية، خاصة «روسيا ـ تركيا»، فضلًا عن التدخل التركي العسكري، إلى انتهاء المهادنة بشكل مبدئي مع تنظيم داعش.

مدينة الباب السورية والمهمة استراتيجيًّا والتي تدخل في صميم الطموحات التركية لإقفال المربع الآمن بالشمال السوري للوقوف أمام عتبة عالية تجاه كانتونات الكرد الجغرافية، شهدت انتهاء معارك تركيا الهزلية ذات القتيل الواحد «جرابلس». لتبدأ معارك التكلفة العالية، إذ تُعد الباب السورية آخر معاقل التنظيم بالشمال السوري، وهدفًا بالأجندة العسكرية السورية والكردية، سباق انطلق نحوها وعجّل بدّوره إلى إنهاء التفاهم التركي مع التنظيم و قذفه بعيدًا عن هذه الجغرافيا.

 

النفط ومدينة الباب السورية وعجز الحكومة التركية عن احتواء تنظيم داعش أو استمرار الدعم اللوجيستي، كلها عوامل أفضت إلى وضع التنظيم تركيا هدفًا لعملياته بأنماطها المتباينة بين المواجهة العسكرية المباشرة؛ كما حدث مع القوات الخاصة التركية ومقاتلي التنظيم في مدينة الباب، التي خلفت 13 قتيلًا من صفوف القوات التركية، وبين العمليات الإرهابية بالداخل التركي، ويبدو أن كلا الطرفين أدركا مبكرًا صعوبة استمرار التنسيق،  إذ شنّ داعش هجماته بداخل تركيا قبل تدخلها العسكري، في محاولة للضغط على أنقرة.

 

شهدت الساعات الأولى من صباح اليوم الموافق 1/1/2017، تنفيذ هجوم إرهابي جديد في الجزء الأوروبي من مدينة اسطنبول. هاجم مسلح ملهى ليليًّا وأطلق النار فأوقع حسب الـ«بي بي سي» 39 قتيلًا بينهم 15 أجنبيًّا و69 مصابًا، وغير ملابسه وهرب بعيدًا. لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى وقت كتابة هذه السطور، لكنها إن بدت بعيدة عن عمليات حزب العمال الكردستاني، الذي يستهدف قوات الجيش والشرطة، فإنها تشبه إلى حد كبير عمليات تنظيم داعش الإرهابي بنمطه «الذئاب المنفردة». الأمر الذي يثير العديد من التساؤلات حول مستقبل عمليات التنظيم، في ضوء المعطيات السابقة ومحصلة الميدان السوري المعقد.

 

 

الخلاصة:

يشهد الداخل التركي حالة استقطاب كبيرة بين التيارات القومية والكيانات السياسية الكردية، ومن جهة شكلت المواقف التركية الداعمة للإرهاب في كلٍّ من سوريا والعراق إلى تكوين حاضنة شعبية كبيرة وخطاب ديني يدعمان الجماعات المسلحة في سوريا تحديدًا، وكلها تعد بيئة عمل مناسبة لعمليات داعش المتباينة في الأنماط والأهداف.

 

كما شكّلت مدينة تدمر عقدة الربط الاستراتيجي بين مناطق سيطرة تنظيم داعش بالبادية السورية والعراقية، ودفع سقوطها بيد الجيش العربي السوري إلى إعلان التنظيم الإرهابي بدءه عمليات «الذئاب المنفردة»، من المرجح أن تشكل مدينة الباب السورية ومعاركها الجارية الآن نقطة التحول في استهداف التنظيم لتركيا، إذ تحكم الاستخبارات التركية قبضتها على غالبية التنظيمات المسلحة السورية النشطة بالشمال، ويظل القلب الصلب للتنظيم والكتلة العظمى من هيكله غير مستأنس من قِبَل الأجهزة الأمنية هناك. مما يدفع بفاتورة ليست بالهينة مرتبطة بدعم الإرهاب، بدا واضحًا أن تركيا تدفع ثمنها منذ بداية فك ارتباطها الاستراتيجي تدريجيًّا بتنظيم داعش. ومن جهة أخرى مرجح أن تدفع ثمن ضلوعها بالهدنة السورية التي عجّلت بجلوس المعارضة السورية المستأنسة من الغرب للقبول ضمنيًّا بأجندة (روسيا ـ إيران ـ سوريا). الهجوم الأخير قد يحمل بصمات داعش، ويوجه رسالة في نسق ونمط هذه العملية، مفادها أن «الذئاب المنفردة» ليست ببعيدة عن قلب أنقرة وإسطنبول.