السعودية والولايات المتحدة من اتفاق كوينسي إلى سياسات ترامب المجهولة - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
السعودية والولايات المتحدة من اتفاق كوينسي إلى سياسات ترامب المجهولة

السعودية والولايات المتحدة من اتفاق كوينسي إلى سياسات ترامب المجهولة




مقدمة

تدخل العلاقات الأميركية السعودية إلى مرحلة تتميز باختلافات جذرية، تمثلت ذروتها الأخيرة في وصول رئيس للبيت الأبيض صرح مراراً بضرورة تغيير معادلات العلاقات بين بلاده وبين الرياض، التي باتت بقوله:”بقرة جف ضرعها وحان وقت ذبحها”، ويسبق ذلك سنوات معدودة من انهيار بنيوي للاتفاق الاستراتيجي الذي حكم العلاقة بين البلدين، أو بالأحرى مظلة الرعاية والحماية الأميركية التي امتدت على المملكة منذ اتفاق «كوينسي» فبراير 1945، بين الملك المؤسس، عبد العزيز آل سعود، والرئيس الأميركي، فرانكلين روزفلت، الذي جدد عام 2005 في عهد كل من الملك السابق عبد الله بن عبد العزيز، والرئيس الأميركي الأسبق جورج دبليو بوش، الاتفاق الذي ينص على أن تتكفل واشنطن بالحماية المطلقة لحكم آل سعود مقابل ضمان الرياض لتدفق الطاقة للولايات المتحدة بشكل استراتيجي.

والمتغير هنا ليس فقط انتهاء حاجة الولايات المتحدة من النفط السعودي الرخيص في سعره نسبياً طيلة العقود الماضية، لكن في كُلفة رعاية المملكة وصيانة سياساتها المتهورة في السنوات الأخيرة، كذا كُلفة تواجد واشنطن في المنطقة من باب حماية حلفائها الذي قال عنهم ترامب، تحديداً عن الرياض “لا يمكن وصف علاقة الحماية التي نكفلها لهم سوى أنها استغلال أحادي الجانب منهم واحتيال ندفع نحن فقط ثمنه”، ليبني المرشح الجمهوري جزء كبير من استراتيجية على وجود أصوات معترضة على “العلاقة المشبوهة” بين الإدارات الأميركية المختلفة والرياض طيلة العقود الماضية، وانتفاء حاجة واشنطن لوجود علاقات خاصة بينها وبين الرياض من منطلق سياسي ومنطق يفرض واقعاً يقول، إن الحاجة البرجماتية لمثل هذه الخصوصية غير ذي معنى أو جدوى، بل جلب صعوبات وكوارث أكثر مما جلب من منافع لواشنطن، فلتكن إذن علاقات عادية دون أي خصوصية تجبر الأخيرة لتعديل بوصلة سياساتها في الشرق الأوسط لحساب “حليف” مشكوك في مسألة تحالفه وإفادته للجانب الأميركي، وكذا الحال لشكل العلاقات الثنائية والملفات المشتركة بين البلدين كسياسات النفط والطاقة والأمن.

هنا لا يمكن أن نجد مبالغة في قول معظم المحللين والباحثين المتخصصين في العلاقات والصراعات الدولية، أن 2016 هو العام الأصعب في تاريخ العلاقات الأميركية – السعودية، ليس فقط على مستوى الخلافات الأولى من نوعها، التي تراكمت وزادت حدتها في السنوات الأخيرة حول سياسات واشنطن في المنطقة ورأي الرياض بأن الأولى لم تعد تتكفل بحماية المملكة وأسرتها الحاكمة ومصالحها كما دأبت على هذا منذ اتفاق كوينسي في أربعينيات القرن الماضي، ولكن وصل هذا العام إلى مربع التصادم على مستوى وجودي، بالطبع ضد الرياض التي وجدت نفسها خلال 2016 بانتظار محاكمة بتهمة التورط في هجمات 11 سبتمبر، و نمو صناعة النفط الصخري التي تهدد اقتصاد المملكة الريعي القائم على بيع النفط الخام، وأخيراً دعوة الرئيس الأمريكي الجديد، دونالد ترامب، إلى وقف استيراد النفط من خارج الولايات المتحدة، ما زاد الطين بلة بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، التي دعمت فيها المملكة خصمته، هيلاري كلينتون، لتتضاعف خسائر مقامرات السعودية هذا العام على كل المستويات والملفات الخارجية والداخلية، وعلى رأسها تدهور العلاقات مع واشنطن.(1)

 

 

 

محاور العلاقات الأميركية السعودية والمتغيرات التي طرأت عليها

إذا نظرنا إلى محاور هذه الخصوصية في العلاقات الأميركية السعودية، نجد أنها حملت نفس أوجه انتهاء هذه الخصوصية وتداعيها في السنوات القليلة الماضية، تحديداً في عهد إدارة أوباما، وصولاً إلى تفاقم الأمر والوقوف على الحافة في السنة الأخيرة من عهد هذه الإدارة – المنتمية للحزب الديمقراطي الأميركي- وبداية صدام وشيك حملت بشائره تصريحات، و سياسات الرئيس الجمهوري الجديد، دونالد ترامب، التي دارت أيضاً حول انتفاء الدور الوظيفي للمملكة في خارطة المصالح الأميركية في المنطقة، سواء انتفاء الغاية من حصد هذه المصالح المتمثلة في ضمان تدفق النفط الرخيص، والتعاون الأمني، و العسكري، خاصة في العقديين الأخيرين، و استقرار المملكة والمنطقة؛ حيث ربط آل سعود لاستقرارهم الداخلي باستقرار الحكم في المملكة وربط سياساتها الخارجية بصراعات الأجنحة على الحكم قبل وفاة الملك السابق واستمرارها حتى الآن.(2)

بالنسبة للنقطة الأولى، المتعلقة بالنفط، تتجه الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة للتوسع في صناعة النفط الصخري، الذي وصل قبيل انهيار أسعار النفط أوائل العام قبل الماضي إلى مرحلة الجدوى الاقتصادية (كلفة استخراج البرميل أقل من 80$ في وقت سعر برميل النفط يتجاوز الـ 100 دولار)، ما هدد اقتصاد المملكة الريعي القائم بنسبة تتجاوز الـ90% على حصيلة بيع خام النفط، ما جعل المملكة تدخل في حرب تخفيض للأسعار بغية تقويض صناعة النفط الصخري الناشئة وردها إلى ما قبل حدود الجدوى الاقتصادية بتخفيض سعر البرميل لدون 40 دولار، وأيضاً محاولة لخلق ورقة قوة استراتيجية في يد السعودية التي كانت في هذا التوقيت تجري السياسات في المنطقة بتأثير أميركي لا يربأ بمصلحتها – الاتفاق النووي الإيراني كمثال- وبالتالي خلق إمكانية للتأثير الإقليمي عبر سلاح النفط، الذي تلاقت فيه واشنطن مع الرياض في جانب الضغط على موسكو وطهران، لكن افترقا عند إجهاض صناعة النفط الصخري، الذي كانت واشنطن تريد وقتها أن يكون سعر البرميل ثابت عند حدود 70 دولار، ولكن المملكة أخذت في زيادة معدلات الإنتاج والاستخراج والتصدير بصفتها البلد الأول في التصنيفات السابقة، وسرعان ما انقلب هذا على الرياض التي تضررت بفعل تقلص مواردها ووصول العجز الاقتصادي إلى معدلات غير مسبوقة في تاريخ المملكة. (3)

أما بالنسبة للتعاون الأمني والعسكري، فصحيح أن الرياض مثلت أكبر دولة تستورد السلاح على مستوى العالم بمعدلات خيالية –90 مليار دولار من الولايات المتحدة فقط- وما لذلك من تأثير ونفوذ على صناعة القرار في الداخل الأميركي من حيث نفوذ لوبي شركات السلاح والنفط على الإدارات الأميركية، وأخرها إدارة بوش، ولكن كون أن السلاح السعودي المستورد لم يكن ليدخل ساحة معركة وقتها بديلاً عن مكانه الطبيعي في المخازن، وعندما حدث ذلك في حرب اليمن، والاعتراضات الإنسانية على استخدام أسلحة أميركية في قتل مئات المدنيين اليمنيين دون أي وازع أخلاقي أو ضميري، بدأت واشنطن وعلى أثر هذه الانتقادات –ناهيك عن موقفها من إدارة الرياض لحرب اليمن ولتحالف الحزم- في سياسة الحد من توريد الأسلحة للمملكة، أو على الأقل ضبطها. وفي محل أخر حول التعاون الأمني فإن الداخل الأميركي مع تصاعد وتيرة الكشف عن دور الرياض في دعم منفذي هجمات سبتمبر بشكل مباشر، أو نشر المملكة للتطرف والفكر المتشدد حول العالم، جعل من مسألة التعاون الأمني الكامل بين البلدين محل شك وغير ذي جدوى، بل أصبح مؤخراً محل شك وريبه بعدما اتضح للناخب الأميركي مدى التعتيم والتغطية على دور الرياض في ضرب أهداف داخل الولايات المتحدة تحت غطاء من “التعاون الأمني”، والتحالف المفترض بين البلدين حتى ما بعد 2001، بخلاف تداعيات استمرار المملكة في نشر التشدد في المنطقة، ما أفضى بجانب استراتيجيتها الأمنية القائمة منذ الثمانينيات من القرن الماضي على تصدير الإرهاب واستثماره من أفغانستان والعراق وختاماً بسوريا، وما تجلى عن هذا من انفلات صعب احتوائه متمثلاً في ظواهر مثل داعش وأخواته، التي بدا للأميركي العادي أن السعودية، حليفة بلاده، التي من المفترض أنها في حرب مشتركة مع واشنطن ضد الإرهاب، تدعمه في محل أخر، وربما دعمته أيضاً لضرب مصالح وأهداف أميركية. (4)

النقطة الثالثة، المتمثلة في ضمان استقرار الحكم لآل سعود في شبه الجزيرة العربية، فإنه يأتي من وازع رؤية أميركية تقوم على ضمان مصلحتها، أولاً ككيان وظيفي يمثل تمدد لنفوذ واشنطن كوريثة للنفوذ البريطاني، ومانع أمام تمدد نفوذ الاتحاد السوفيتي وحلفائه في المنطقة في الماضي، وتعويض في الثمانينيات عن خسارة واشنطن لطهران بعد ثورة 1979، وتحالف الاثنين ضد السوفيت في أفغانستان، ثم أخيراً ضمان استقرار المنطقة عن طريق دعم واشنطن لما سُمي بـ”محور الاعتدال” الذي مثلت أحد أضلاعه الثلاثة السعودية، التي بدورها أتت على كل مبررات وجودها الوظيفي في الأعوام القليلة الماضية، فأولاً مستقبل الحكم في المملكة غامض وغير واضح حتى للأميركيين، وضرورة مواجهة الخصم السوفيتي انتفت، ومسألة العداء مع إيران وتقويض المنطقة لمعادلة أشبه بمعادلة الهند وباكستان أضحت غير ذات معنى بعد انتهاء الحرب الباردة، إضافة إلى إمكانية الحل الدبلوماسي مع طهران ممثلاً في الملف النووي، وأخيراً فإن سياسة الرياض في الداخل والخارج أضحت العامل الرئيسي لعدم استقرار المنطقة بل كمعوق لأي تسوية تساهم في الدفع أماماً نحو هذا الاستقرار، ناهيك على أن كثير من إجراءات المملكة في الخارج في العاميين الأخيرين أتت بدافع من صراع داخلي حول الحكم وحرب اليمن خير مثال. (5)

 

ترامب والوقوف على حافة الصدام والبدائل المؤقتة

على النحو السابق، يمكن القول أن انتخاب ترامب في حد ذاته لم يكن سوى نقطة بداية منطقية لتفسخ مسار العلاقات الأميركية – السعودية، المميزة والاستثنائية، التي نظر إليها معظم الأميركيين في دوائر التفكير وصنع القرار على أنها وبالحد الأدنى ذات تكلفة عالية، وعدم مقدرة واشنطن في الاستمرار بسياسة الانفراد والنفوذ المطلق على دول المنطقة كما كان الحال عشية غزو العراق 2003 بمشاركة السعودية، أو حتى أن هذه المصالح لا تتحقق عبر الرياض بكل الخصوصية التي ميزت العلاقات التاريخية بين البلدين، التي صارت مع فجاجتها تؤثر على توجه الناخب الأميركي الذي بات يرى بعد انفضاح أمر تورط المملكة في هجمات سبتمبر وغيرها أن مكان السعودية ليس الحليف بكل تأكيد لبلاده، إضافة إلى اعتماد العشوائية والارتجال والهروب للأمام وقلب الطاولة كاستراتيجية وحيدة للرياض في الفترة الأخيرة.(6)

وعن مدى تأثير انتخاب ترامب كمتغير على النقاط الثلاث السابق ذكرها، والمتغيرات التي طرأت عليها مؤخراً؛ أشار العديد من الباحثين والساسة إلى انتهاء الدور الوظيفي للسعودية في خارطة المصالح الأميركية، بل أن كُلفة التعهد الأميركي بحماية السعودية وحكامها تخطت ما يمكن أن يوصف بعائد مربح للسياسات الأميركية، فعلى الرغم من النفط الرخيص واستيراد الأسلحة بمليارات الدولارات سنوياً، و حجم الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة واحتياطها النقدي وسندات الخزانة التي تقارب تريليون دولار، فإن المملكة شكلت خاصة في السنوات الأخيرة محرك مشكلات لواشنطن على صعيد استقرار المنطقة، بالتوازي مع طموح غير عاقل وغير واقعي لتصدر الرياض لقيادة “العالم العربي والإسلامي” والتعامل بصفة ولي أمر المنطقة، وفي سبيل ذلك فتحت على نفسها وعلى المنطقة سيل من المقامرات والمغامرات الغير محسوبة، بداية من التدخل في سوريا ودعم المسلحين هناك، وختاماً بحرب اليمن التي أثبتت فشل النظام العالمي في وقف جريمة هي الأبشع منذ بداية القرن الجاري، وبسلاح أميركي، وتأجيج الصراع الطائفي في المنطقة انطلاقاً من صراعها مع إيران، وأخيراً عدم جدوى الدور السعودي في تنفيذ أي سياسات أميركية في العقود الأخيرة دون أضرار جانبية تفوق في حجمها وخطورتها ما قدمته الرياض من دور “إيجابي” في خدمة واشنطن؛ وأبسط مثال على هذا دعم السعودية ولعبها دوراً هاماً في حرب أفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، الذي أفضى في النهاية إلى نشأة أجيال من الإرهابيين بدأت بقاعدة أسامة بن لادن، وانتهت بخلافة أبو بكر البغدادي، ناهيك عن دور الرياض في نشر التطرف حول العالم بدعوى نشر “لإسلام الصحيح”.(7)

والملاحظ هنا أن السعودية عولت في أسابيع ما بعد انتخاب ترامب مباشرة على احتمالية تراجعه عن “رؤيته” الخاصة بالعلاقات مع المملكة، التي إبان حمتله الانتخابية لم تكن محددة وكان الغرض منها النيل من منافسته الديمقراطية، وأنها لم تكن استراتيجية سياسية محددة، وإنما عبارة – في مجملها- عن شعارات ولافتات ووعود دون تفاصيل أو برنامج، ولذلك فإن الرياض تعوّل حالياً على مراجعة تصريحات ترامب “النفطية” وربما ما يتجاوز ذلك إلى ملفات ثنائية ومشتركة عن ما استنتج من تصريحاته إبان حملته الانتخابية، وإحباط أن تتحول هذه الشعارات والتصريحات إلى سياسات عامة استراتيجية، وهذا الأمر نفسه ينطبق على أكثر من ملف وقضية تتماس فيها المصالح الأميركية مع السعودية أو تتضاد، ولكن كلها رهن ما ستؤول إليه سياسات ترامب بعد دخوله البيت الأبيض، و بالنظر إلى توصيات وآراء مراكز التفكير وصناعة القرار داخل أروقة السياسة الأميركية تعد تحصيل حاصل، فلا الظرف الذاتي للمملكة وأزماتها الداخلية المتراكمة والمتصاعدة وكذلك الظرف الموضوعي للتحولات والتغيرات السياسية في المنطقة وتفاعل واشنطن معها يلزمان الإدارة الأميركية الجديدة بالحفاظ على خصوصية كلاسيكية للعلاقات الأميركية-السعودية. (8)

وعلى المنوال نفسه وفي شهادة مقدمة للكونجرس الأميركي يقول الخبير المختص بالشأن السعودي سايمون هندرسون: “وفي هذا الوقت، لابد من التخلص من الوسائل المجرّبة والمختبرة لفهم سياسات السلطة الخاصة بالعائلة المالكة،. ولطالما قيّم آل سعود عامل السن والخبرة في ما يتعلق بالمناصب القيادية، وقد جوبهت الخلافات والخصومات بالحاجة الظاهرة للإجماع ولجبهة علنية مشتركة تُعرض أمام الدولة والعالم، إلا أن محمد بن سلمان يفتقر لعامل السن والخبرة كونه لا يتجاوز الثلاثين عاماً،  فضلاً عن ذلك، منذ أن أصبح والده ولياً للعهد عام 2012 وأصبح محمد بن سلمان المسئول عن بلاطه الملكي، تعددت الروايات بشأن تكتيكات محمد بن سلمان الاستبدادية تجاه أقاربه، و أبناء عمومته في العائلة المالكة، وبالتالي، فمن المشكوك فيه أن تحظى ترقيته الأخرى بدعم كبير من قبل العائلة المالكة على نطاق أوسع، وبالتالي، نحن نواجه مستقبلاً يتسم بعدم اليقين، فقد تم تهميش حليف واشنطن الأساسي في قضايا مكافحة الإرهاب، محمد بن نايف، على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، إلا أن الحاجة لشراكة فعالة في مجال مكافحة الإرهاب أصبحت ضرورية أكثر من أي وقت مضى، كما أن الرياض لا تثق بمقاربة واشنطن تجاه الدولة التي تشكل بحد ذاتها، بالنسبة إلى الجانب السعودي، نصف مشكلتها على الأقل، ألا وهي إيران وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن للولايات المتحدة أن تعتبر شراكتها الحالية مع السعودية في مجال مكافحة الإرهاب من المسلمات، وعلى الرغم من الخلافات والإهانات العلنية، لا بد من تكييف العلاقة بين الدولتين بحيث تتم المحافظة على جوهرها مع استمرار حالة عدم اليقين على الصعيد السياسي حول السلطة الفعلية في بيت آل سعود”.

ويرى بعض المحللين أن التحدي الرئيسي في العلاقة بين الولايات المتحدة و السعودية في مجال مكافحة الإرهاب بوجود نقاط اختلاف حول التركيز والتوجه أكثر من أي وقت مضى، ما قد ينطبق حتى على الحلفاء المقربين، في ما يتعلق باليمن، تعتقد واشنطن أن العمل العسكري بقيادة السعودية الذي بدأ منذ أكثر من عام، قد أسيء فهمه ولن يفضي إلى أي نتيجة إيجابية فضلاً عن ذلك، بالغت الرياض بدور إيران في دعم المتمردين الحوثيين، إضافة إلى ذلك، تتمثل وجهة نظر الولايات المتحدة، بأنه عوضاً عن التوجه نحو تهدئة الأوضاع المتوترة بين طهران والرياض، يبرز خطر التصعيد، ومن المثير للاهتمام في هذا السياق أنه في سيرة الرئيس أوباما التي نُشرت مؤخراً في مجلة (ذي أتلانتك)، تعرضت السعودية لانتقادات أشد وطأة وأكثر من أي دولة أخرى، سواء أكانت حليفة أم لا. وفي السنوات الأخيرة، لطالما وصفت السعودية علناً علاقتها مع الولايات المتحدة في مجال التعاون في مكافحة الإرهاب بعبارات مبتذلة، كما لو أن أي تلميح إلى النقد الصريح يأتي بنتائج عكسية، ولكن هذه العلاقة اكتست ببعد جديد ومعقد منذ تغيّر القيادة في المملكة في يناير 2015، عند وفاة الملك عبدالله. فقد كان هذا الأخير القائد المؤثر على مدى عشرين عاماً، غير أنه لم يصبح الملك الفعلي إلا في عام 2005. (9)

وعن النقطة الثالثة الخاصة باستقرار المملكة ودورها في استقرار المنطقة، يقول هندرسون: “خلف الملك عبدالله أخيه غير الشقيق سلمان، الذي عَيّن في البداية أخ غير شقيق آخر له يدعى مقرن ولياً للعهد، كما عَيّن ابن أخيه محمد بن نايف ولياً لولي العهد، ولطالما كان محمد بن نايف مفضلاً لدى واشنطن وقد لُقّب بـ “رجل مكافحة الإرهاب”، كما يحظى بتقدير كبير كونه قد نجا من هجوم انتحاري في عام 2009 من دون أن يمسه أي أذى تقريباً، على الأقل من الناحية الجسدية، لكن في إبريل 2015، وبعد مضي ثلاثة أشهر على تبوأ سلمان السلطة، طرأ تغيير على خط الخلافة السعودية، فقد أقيل الأمير مقرن، ومع أنه استُبدل بالأمير محمد بن نايف كولي للعهد، إلا أن الخطوة اللافتة كانت اختيار أحد أبناء الملك سلمان الأصغر سناً، وهو محمد بن سلمان، الذي يبلغ بالكاد 30 عاماً، لشغل المنصب الثالث الشاغر في المملكة، وما زال الملك سلمان، الذي بلغ الثمانين هذا العام، يكثر من إطلالاته العلنية، على الرغم من التقارير التي تفيد بأنه يعاني من مجموعة واسعة من المشكلات الصحية، وثمة شك ضئيل حالياً بأن العاهل السعودي يريد أن يكون نجله محمد بن سلمان الملك القادم بدلاً من محمد بن نايف، كيف سيحدث ذلك ومتى وما النتائج المترتبة عنه؟ كل ذلك ضرب من التخمينات، وفي غضون ذلك، يُعتبر محمد بن سلمان مسئولاً عن السياسة الاقتصادية، بما فيها السياسة النفطية، وهو وزير الدفاع الذي يدير الحرب في اليمن، أما محمد بن نايف، الذي يناهز السادسة والخمسين عاماً وفقاً لبعض التقارير، فما زال وزير الداخلية ويترأس اجتماعات الحكومة الأسبوعية في غياب الملك، إلا أن سلطته ونفوذه ينحسران على ما يبدو، في حين يلعب نجل عمه محمد بن سلمان، الأصغر منه سناً بكثير، دوراً متعاظماً في كل القضايا الأساسية بالنسبة للرياض، فرجل واشنطن المفضل، محمد بن نايف، قد نُحي جانباً”. (10)

ولتعويض الغياب الأميركي عن السعودية في الداخل والخارج، رأت المملكة – والدول الخليجية عموماً- أن قوى دولية مثل بريطانيا تسعى لإيجاد موطئ قدم يعوض خسارتها في أوروبا من خلال الحصول على حصة من الفراغ الذي ستخلفه واشنطن، فقابل هذا السعي البريطاني حاجة سعودية مُلحة وعاجلة تفاقمت بعد انتخاب ترامب، وسياساته التي تبدو إرهاصاتها خطيرة على المستوى الوجودي لدول مجلس التعاون عموما، والسعودية على وجه الخصوص، ومن هنا تلاقى مسعى لندن لإيجاد موطئ قدم على الساحة الدولية مع مساعي الدول الخليجية في إيجاد بديل للحماية الأميركية؛ فمع متغير رئيسي على السياسات الخارجية لبريطانيا متمثل في أن بريطانيا لم تعد تستطيع أن تؤثر على السياسة الخارجية الأوربية مثلما كانت تفعل منذ الحرب الباردة، الذي كان في معظمه تأثير بدافع من واشنطن، الذي في رأي البعض كان الدافع الرئيسي لانضمام لندن للاتحاد الأوربي في السبعينيات، إلا أن هذا المتغير لا يعني فقدان بريطانيا لنفوذها وتأثيرها على الساحة الدولية وعلاقاتها وملفاتها المتشابكة، ففي المجمل لا تزال الدولة الأكثر نفوذا على مستوى صناعة القرار الدولي في أوروبا، سواء ما لها من قوة عسكرية واقتصادية ودبلوماسية تراكمت على مدار قرون، إضافة لفاعليتها في أطر سياسية دولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ودول الكومنولث، وهي بعناصر القوة السابقة تعتبر متجاوزة لمرحلة الاستفادة من تواجدها في الاتحاد الأوربي على صعيد السياسات الخارجية والدولية، فهي على سبيل المثل ليست مثل ألمانيا، التي تتزعم حالياً الاتحاد الأوربي وتعتبر ثقله البشري والاقتصادي الأكبر، وتوسع نفوذ برلين على الساحة الدولية بسبب هذا الدور التي كانت قد حُرمت منه بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية وانقسامها خلال الحرب الباردة، وعلى نفس القياس مع الفارق هو ما تسعى إليه دولة مثل تركيا بإلحاحها في الانضمام للاتحاد الأوربي منذ التسعينيات، حيث سيضيف هذا لأنقرة حال حدوثه قوة ونفوذ سياسي سيضعها في مصاف الدول المؤثرة على القرار الدولي وليس فقط دولة تسعى لبسط نفوذها على مستوى إقليمي، وهو بقياس إضافي للحالة الخليجية – السعودية، فإن الأخيرة ليس لديها فرصة مثل تركيا في إيجاد إطار جامع مؤثر في السياسات الدولية مثل الاتحاد الأوربي، فبعد ثبوت فشل أُطر الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي في إحداث فارق ناحية الملفات الإقليمية لمصلحة الرياض، في ظل غياب الدعم الأميركي التقليدي، فإن البحث عن “سيد” يبدو حل اضطراري في سياق سياسات ممالك وإمارات أسست على التبعية والرعاية من قوة كبرى تتكفل بحمايتهم نظير فوائد مادية وسياسية كَلّت منها واشنطن، فحلت محلها لندن، التي باتت تحتاج إلى دور على الساحة الدولية يعوض انحدار سياستها الخارجية التي أفضت إلى الخروج من الاتحاد الأوربي.(11)

 

ختام

مع تشابك الملفات وتعقيدها، يبقى التساؤل الأهم عن أفق العلاقات بين واشنطن والرياض في عهد إدارة ترامب بكل ما حمله الأخير من نوايا سلبية تجاه الأخيرة، و سياسات أميركا الخارجية وموقع السعودية فيها وتدرجها، خاصة في ظل الارتباك والتخبط والعشوائية التي سادت سياسة المملكة الخارجية في العامين الأخيرين، وما يلزم ذلك من تقدير موقف على مستوى ثنائي ومستوى الملفات ذات الاهتمام المشترك في المنطقة، أخيراً وليس فقط كما يتبادر إلى الذهن أن الأمر متعلق بشكل رئيسي بانتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، الذي بدا أنه معادياً لكثير من التوجهات السياسية الحاكمة للعلاقات الأميركية – السعودية، ومدى تغلغل نفوذ الرياض في واشنطن، وتأثير المال السياسي السعودي في دوائر الحكم وصناعة القرار الأميركية، ولا حتى مسألة تورط الرياض في هجمات سبتمبر وقانون «جاستا» مؤخراً، بل عن مستقبل العلاقات بين الدولتين مستقبلاً بشكل استراتيجي ينهي حقبة الحماية غير المشروطة التي بنت عليها الرياض كل سياساتها الخارجية، التي دونها وقعت مؤخراً في متاهة من العشوائية والارتجال، ناهيك عن أن الحد الأدنى لمستقبل العلاقات بين البلدين هو سقف القطيعة التي نتجت عن توجهات إدارة أوباما، المتمثلة في الفصل بين السياسات الأميركية وأهدافها وتحقيقها في المنطقة حتى وإن كان هناك خلاف مع “الحلفاء” في الخليج وعلى رأسهم السعودية، سواء كان خلاف على السياسات نفسها أو طريقة تنفيذها، فما الحال في مع إدارة أميركية جديدة تحت قيادة ترامب.

وبشكل عام، فإن مبعث القلق السعودي من التحول المزمع الذي وعد به ترامب ناخبيه، خاصة ما يتعلق بالعلاقات الثنائية بينهما في المستقبل، يكمن في عدم وضوح سياسات الأخير المستقبلية، وكذا عجز الرياض عن سد الفراغ الأميركي في المنطقة سواء بالحشد والاصطفاف – بما فيه الطائفي- أو بمعالجة جوهرية وبنيوية لبديل عن التعويل التاريخي للرياض على انحياز واشنطن المضمون لمصالح البيت الحاكم ومراعاة ذلك في أولويات السياسة الأميركية في المنطقة، وبالتالي سواء كان التوجه الأميركي في المستقبل القريب هو فك الارتباط جزئياً بالشرق الأوسط، ومشاكله المكلفة بالنسبة لواشنطن، أو مداورة الزوايا حول قضاياه وملفاته مع باقي القوى الدولية، وإنهاء حالة التفرد والانفراد التي استمرت فترة ما بعد حرب الخليج الثانية وحتى غزو العراق، أو تدهور الأمور بدافع من «جاستا» وغيره للصدام مع السعودية أو بالحد الأدنى التخلي عنها وخاصة مع رعونة الرياض في إدارة ملفاتها الداخلية والخارجية، فإنه يمكن ترجيح هبوط منحنى العلاقات السعودية الأميركية لمستويات غير مسبوقة، ومع انتخاب ترامب فإن الأخير قد يكون عنوان لـ 4 سنوات قادمة لمرحلة جديدة في تاريخ المملكة قد تكون الأسوأ –  حتى وإن كانت انتقالية من الاعتماد على واشنطن إلى الاعتماد على غيرها أو على النفس- من حيث المخاطر الوجودية في وسط عاصف ومتغير في منطقة فاضت بالتغيرات الدراماتيكية حتى على مستوى وجودي أطاح بأنظمة كان استقرارها غير مشكوك به حتى سقطت.


 

مراجع:
(1): فرص وتحديات تنفيذ الاتفاق النووي، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، ديسمبر2016.

(2): الرئيس الأمريكي الجديد والشرق الأوسط، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ديسمبر 2016.

(3): حرب النفط الأميركية – السعودية..من الخاسر؟، البديل، 2-12-2014.

(4): انهيار السعودية..حان الوقت لأن تقلق الولايات المتحدة، البديل، 11-10-2015.

(5): حرب النفط السعودية قد تتسبب في إفلاس المملكة بعد عامين، البديل، 8-8-2015.

(6): السعودية في 2015.. أزمات داخلية وتعثر اقتصادي يهدد بانهيار المملكة، البديل، 30-12-2015.

(7): الرياض وواشنطن 2016: انتهاء الدور الوظيفي للمملكة المتداعية، البديل، 26-12-2015.

(8): Saudi Arabia’s dream of becoming the dominant Arab and Muslim power in the world has gone down in flames, INDPENDENT, 6-1-2017.

)9(:Bilateral Counterterrorism Cooperation and Changes in Saudi Leadership,The Washington institute,24-5-2016.

(10): Ibid

(11): بريطانيا تستثمر تخوفات الدول الخليجية.. عودة الإمبراطورية العجوز؟، البديل، 9-12-2016.