المناطق الآمنة في سوريا .. منازل على خط النار - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
المناطق الآمنة في سوريا .. منازل على خط النار

المناطق الآمنة في سوريا .. منازل على خط النار




مقدمة

تشهد الأزمة السورية في مرحلة ما بعد حسم معركة حلب، بزوغ آفاق جديدة لإبرام تسويات الحد الأدني، التي تجمع لاعبي الأزمة السورية علي مسافة أقرب مما مضي، وتقوم على التهدئة المرحلية للصراع من خلال فرض هُدنة مؤقتة في أكثر المناطق الجغرافية احتدامًا بالمعارك، خاصًة بعد أن قال الميدان السوري كلمته الأخيرة بعد انتهاء معركة حلب، وهي أن الروسي والإيراني والسوري باتوا منتصرين مرحليًا، ووفقوا على عتبة أعلي من كل الفواعل على الصعيد الداخلي والاقليمي والدولي، لينطلق لاعبو الأزمة السورية على اختلافهم إلى تعزيز أواصر المكاسب من جهة، ولملمة الهزائم الميدانية والسياسية من جهة أخري، ليتفاعل الجميع في أُطُر تسويات الحد الأدني، التي كان بطلها الروسي بامتياز، إذ برهنت روسيا أنها لاعبًا دوليًا قادرًا على الأمساك بأوراقٍ عِدة، والدفع بجهود تصب في تعزيز وجهة نظرها لإدارة الصراع القائم بتعقيداته الحالية، فجاءت فاعليات مؤتمر “أستانا”، في 24 من شهر يناير الماضي، لتعلن عن قيادة سياسية روسية لفرقاء سوريا ولاعبيها الإقليمين، ترنو لتثبيت اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار الصادر في 29 ديسمبر الماضي، ولإعادة تشكيل الخريطة العسكرية للميدان السوري، وسط خفوت ملحوظ للدور الأمريكي، الذى حلّ ضيفًا على طاولة مفاوضات أستانا بصفة “مراقب”.

لكن سرعان، ما عادت الولايات المتحدة من جديد وعاد معها مصطلح “المناطق الآمنة” للمشهد السوري، بعد تصريحات الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، لمحطة (ABC) الأمريكية، في 25 من شهر يناير الماضي، الذى أكد فيها أنه سيُقيم مناطق آمنة في سوريا، والدول المجاورة لحماية المدنيين الفاريين من الحرب، وإعادة توطينهم في بلادهم، أو في وطن ثالث.

كما أوصى ترامب وزارتي الدفاع، والخارجية بوضع خطط لإقامة تلك المناطق في غضون 90 يومًا من تاريخ إصدار الأمر، و استقبلت موسكو هذه التصريحات بقدر كبير من التحفظ، فيما اعترضت كلٍ من سوريا، وإيران، بينما رحبت تركيا بهذه التصريحات، خاصة بعد أن طرحت أنقرة في عام 2015 فكرة إقامة منطقة آمنة، إلا أنها لاقت تحفظًا أمريكيًا، وغربيًا، ورفضًا روسيا ترجم بالسماح لأنقرة بالدخول إلى الأراضي السورية ـ عمليات درع الفرات ـ في 24 أغسطس الماضي، عوضًا عن إقامة منطقة آمنة يُخظر فيها الطيران، بيد أن الرئيس الأمريكي لم يحدد في تصريحاته في أيٍ من المناطق سيقيم المناطق الآمنة وآليات تنفيذها، ما فتح الباب أمام العديد من التساؤلات حول البقع الجغرافية المحتملة والمناسبة لاقامة المناطق الآمنة، والأطراف التي تتولى حمايتها، وتداعيات إنشائها وسط بيئة صراع معقدة، علي الصعيد الإقليمي والدولي.

المناطق الآمنة في القانون الدولي

يعد مفهوم المناطق الآمنة (Safe Zones)، مفهومًا غير رسمى على صعيد القانون الدولى، إذ لم يذكر فى اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، كما لم يذكر في البروتوكولات الملحقة بها عام 1977. لكن العرف الدولى يضمن مصطلحات مقاربة إلى حدٍ ما، لمفهوم المناطق الآمنة، مثل المناطق الطبية، والمناطق المحايدة، والمناطق منزوعة السلاح، تهدف جميعها إلى توفير ملاذ آمن للمدنيين الفارين من طاحون الحرب. وتتشابه هذه المصطلحات فى الصيغة الإجرائية لها، إذ يتطلب تنفيذ أي منها صدور قرار من مجلس الأمن، وفرض حظر جوي، ووجود قوات على الأرض لحمايتها.

بيد أن ثمة اختلافًا في المفهوم الوظيفي بين المناطق الآمنة، والعازلة، المناطق العازلة (Buffer zones) تعني أن تسحب القوي المتصارعة قواتها العسكرية، لتبعد الدول المتحاربة عن بعضها مسافة عدة كيلومترات، وقد تُفرَض المناطق العازلة من مجلس الأمن أو من تحالف دولي، كما حدث مثالاً مع العراق بعد غزوها للكويت عام 1990.

المناطق الآمنة المحتملة

تظهر 3  مناطق محتملة أمام الإدارة الأمريكية لإقامة المنطقة الآمنة فى سوريا

1 – منطقة عمليات درع الفرات التركية

تمتد منطقة عمليات درع الفرات التى يقودها الجيش التركي بمشاركة من الفصائل المسلحة السورية الموالية لاجهزة استخباراته، تمتد من جرابلس غربًا إلى اعزاز شرقًا، وبعمق يصل إلى 40 كيلومتر، وطول يصل إلى 100 كيلومتر، ليصل المدى العملياتي لدرع الفرات إلى ارتكازات هامة في الجنوب من هذه المنطقة، منها مدينتيّ منبج، والباب.

بدأ التدخل العسكري التركى في هذه الأراضي السورية تحت ذريعة محاربة داعش، وحزب الاتحاد الديمقراطى، لكنه جاء بالأساس لقطع الطريق أمام وصل الكنتونات الكردية ببعضها البعض، من القامشلي وعين العرب شرقًا لعفرين غربًا، التى تمثل جميعها خطرًا يهدد الأمن القومى التركي حال وصلها ببعضها، لأنها تعد اللبنة الأولى نحو كيان كردي مستقل بالشمال السوري، قريب من التركيبة الكردية داخل تركيا نفسها ما اعتبرته تركيا خطًا أحمرا.

دفعت ديناميكيات عمليات درع الفرات، لجعل منطقة عملياتها خالية من أى وجود للكيانات الكردية المسلحة وتنظيم داعش وقوات النظام السوري، و ستحظى هذه المنطقة حال إقراها منطقة آمنة، بالدعم اللوجيستى التركى، وحماية قوات الجيش التركى لها على الأرض. لكن من المتوقع أن تحظى بمعارضة قوية من إيران التى تري في التدخل العسكري التركى خصمًا من نفوذها وسيطرتها على أرض الصراع، ويخلق واقعًا عسكريًا على الأرض يماثل التواجد العسكري الإيراني والروسى.

2- مناطق سيطرة الأكراد

تدعم الإدارة الأمريكية الكيانات الكردية المسلحة النشطة بمناطق الشمال السورى فى مواجهة تنظيم داعش بالرقة وأريافها، كما يعمل البنتاجون على توسيع الوجود العسكري الأميركي في سوريا، عبر بناء قواعد عسكرية في خمسة مواقع في محافظتي الحسكة، وحلب، في مناطق تُسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية الذراع العسكرية لحزب “الاتحاد الديموقراطي” الكردي.

تشكل القواعد العسكرية الأمريكية منصة انطلاق للطيران المروحى، والإمداد اللوجيستى، ونقاط تمركز لعناصر القوات الخاصة، وللمستشاريين العسكريين لدي البنتاجون ممن يتولون برامج تدريب وتسليح القوات الكردية بصنوفها المختلفة.

التواجد العسكري الأمريكي في هذه المناطق يجعلها منطقة محتملة لإقامة المنطقة الآمنة، لكن من المتوقع أن تعارض تركيا وبشدة، كما أن سياسة “تكريد” الأراضى في هذه المنطقة تحول دون وفود آلآف اللاجئين العرب والسنة إليها.

3- المنطقة الجنوبية بالحدود الأردنية

توجد في الأردن غرفة عمليات “الموك” وهي غرفة عسكرية تحت إدارة دول عدة علي رأسها الولايات المتحدة، تتولي الغرفة إدارة معارك الجنوب السورى، ويخضع لها بعض مقاتلات سلاح الجو الأمريكى المتمركزة هناك بجانب مقاتلات التحالف الدولى، بيد أنّ هناك لقاء جمع فى واشنطن، قبل أسابيع، الرئيس دونالد ترامب، والملك عبدالله الثاني، بحثا فيه إمكانية إقامة منطقة آمنة، لكن الامتداد الصحراوي في المنطقة الجنوبية المتاخمة للحدود الأردنية، وضعف البنية التحتية فيها لخدمة اللاجئين، قد يعوقان إقامة المنطقة الآمنة.

من المناطق الثلاث المحتملة، ترجح كفة المنطقة الأولى، كونها تخلو من تمركزات تنظيم داعش والقوات الكردية، وقوات النظام السوري، وملائمتها استقبال المكون الأكبر من النازحين واللاجئين، العرب والسنة، دون الدفع بعمليات التغيير الديموغرافى الحاصلة الآن ببقع جغرافية مختلفة من الميدان السورى، فضلاً عن استعداد تركيا دفع تكلفة البنية التحتية اللازمة لإقامة المنطقة الآمنة.

تحديات المنطقة المنطقة الآمنة

تواجه المنطقة الآمنة العديد من التحديات الكبيرة، ترتبط بالكمّ والكيف لآليات إقامتها وتأمينها، يمكن صياغة التحديات فى النقاط التالية:

1-   التكلفة العالية

العسكريون الأمريكيون لا يبدون متحمسون لإقامة مثل هذه المناطق نظراً لتكلفتها العالية علي الصعيد العملياتي والاستخباراتي.

الجنرال مارتن ديمبسي رئيس هئية الأركان العسكرية المشتركة قال فى وقتٍ سابق: ” إقامة مثل هذه المناطق الآمنة يتطلب مئات الطائرات المتمركزة على الأرض، وفى حاملات الطائرات بالبحر، فضلاً عن الاستخبارات ودعم الحرب الإلكترونية، بتكلفة تصل لمليار دولار فى الشهر الواحد، وقد يؤثر ذلك على الموارد الموجهة لقتال تنظيم الدولة”.

وانطلاقًا من هذا المُعطي، اقترح ترامب أن تمول دول الخليج إقامة المناطق الآمنة، إذ قال لصحيفة بليد الألمانية : “إن دول الخليج ينبغي أن تدفع الثمن والتكلفة فبعد كل شئ هم لديهم المال الذى لا يملك أحدًا مثله اليوم”. لكن دول الخليج التى تقدم الدعم المالى والاستخباراتى للفصائل المسلحة المعارضة فى سوريا لم تعلن موافقتها المبدئية لذلك الاقتراح، عدا السعودية، التى أبدت تفهمها لضرورة إقامة المناطق الآمنة فى سوريا، واليمن، كان ذلك إثر اتصال هاتفي بين ترامب والعاهل السعودي فى 29 يناير الماضي، بيد أن العداء الحالي لكل من إدارة الرئيس ترامب والعاهل السعودى تجاة إيران قد يُشكل حافزًا لدخول اقتراح ترامب بتمويل الخليج حيز الإتاحة.

2-   القوات الأرضية (Boots on Ground)

وجود قوات أرضية لتأمين المناطق الآمنة أمرُ ضروى فبدونه تتحول لهدف ثمين يسهل اختراقه وإبطال فعاليته. وبهذا الصدد يتوجب على الإدارة الأمريكية مضاعفة حجم وماهية قواتها المنخرطة فى الصراع السورى، ما يعني تعاظم الأخطار والعقبات حول هذه القوات المستهدفة من الكيانات غير المستأنثة لتنظيمي داعش والنصرة.

3 – صراع النفوذ ..تركيا وإيران

لم يستمر التقارب الإيراني التركي حول المسألة السورية طويلا، ودخلت الدولتان الجارتان في تصعيد كلامي يعكس افتراق المصالح بينهما في الملفات الإقليمية، فضلا عما فهم أنه اصطفاف تركي وراء إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عدائه لإيران ورغبته في تطويق دورها الإقليمي.

موسكو تعى ضرورة استمرار جهودها فى استيعاب التوتر التركى – الإيرانى خاصة ببعده المذهبي، فى ضوء حاجتها للقوتين، من أجل متابعة لعب دورها كقوة قادرة على الإمساك بكل الأوراق،  لكن التوترات الحالية قد ذهبت إلى أبعد من سقف البراجماتية المعتمدة بين البلدين، فإيران ترى في الطموح التركى منافسا لها على مناطق نفوذها وسيطرتها، و تركيا تحاول التقرب من الطرح الأميركي بإقامة مناطق آمنة في سوريا، وتعمل  على إرسال رسائل لترامب برغبتها في التعاون معه في هذا المشروع حتى لو أدى إلى تشنج مع إيران، ولا يخفي مسؤولون إيرانيون اعتقادهم بأن موسكو وضعت يدها على مكاسب حققتها طهران في سوريا، وقد كانت تفكر بإلحاقها بنفوذها تماما مثلما هوالحال في العراق، لكن تركيا التي أنقذها التقارب مع روسيا من ورطة في المستنقع السوري، تحاول الآن أن تنقلب على مسارها الأخير، بالاستجابة  لإشارات ترامب عن المناطق الآمنة، والعودة مجددا إلى الحلف الأميركي الذي يضع على رأس أولوياته شل الدورالإيراني في المنطقة، ما يعزز التوتر الحاصل، وصراع النفوذ، وديناميكياته السريعة إلى مثول محصلاته كتحدٍ أمام إقامة المنطقة الآمنة.

4 – موقف روسيا

استقبلت روسيا تصريحات الرئيس الأمريكى بقدر من التحفظ، استندت موسكو إلى ضرورتين لإقامة المناطق الآمنة.

أ –  التنسيق معها لتفادى الاشتباك مع مقاتلاتها وقاذفتها النشطة بكامل القطر السورى، وهذا ما عبّرت عنه التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الروسى سيرجي لافروف.

ب – التنسيق مع الحكومة السورية بصفتها الجهة الشرعية التى تملك السيادة، و صبّ التوتر الحاصل بين تركيا وإيران فى مصلحة النظام السورى الذى هُمِّشَ دوره في الآونة الأخيرة، وكمحصلة لهذا التوتر دفعت موسكو إلى إعلان أن المنطقة الآمنة يجب أن تحظى بموافقة الحكومة السورية، استنادًا للشرعية ووقوفًا حذرًا أمام سيناريوهات التعنت الأمريكى،  فمن شأن غياب التنسيق أن يتداعى تصاعد التوافق الروسى التركى من جهة، ومن جهة أخرى قد يدفع موسكو إلى القضاء على البؤر الإرهابية بمحور “حماة – إدلب”، ما يدفع بتغيير ديموغرافى آخر قد يُصَعِب الطريق أمام إقامة المنطقة الآمنة، وانهيار محادثات أستانا، و إعادة وضع الفصائل المسلحة المدعومة تركيًا فى بنك أهداف المقاتلات الروسية.

البدائل المتاحة

استنادًا إلى جملة النقاط السابقة، واستقراء توجهات الرئيس الأمريكى التى ترمى في مجملها إلى وقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا وتحجيم دور الفاعلون من غير الدول فى الصراع الجاري، وبعد تفنيد تحديات المنطقة الآمنة، يمكن إيجاد بدائل تدفع نتائجها إلى تحييد الصدام بين الفاعلين الدوليين فى الأزمة السورية، ومن ثم فتح طريق أسهل لإقامة المناطق الآمنة.

1 – توصل الإدارة الأمريكية لتفاهم مع موسكو ودمشق، يقوم على تركيز الجهود نحو القضاء على تنظيم داعش الإرهابى، والفصائل المرتبطة به، وجبهة النصرة، أولاً ومن ثم اتخاذ إجراءات تنفيذ المنطقة الآمنة، لكن هذا التفاهم سيكون محكوما بتقييم الإدارة الأمريكية لتداعيات حذف تنظيم داعش من جغرافيا سوريا والعراق وتنامي موجة العداء تجاهها، وتعزيز أواصر النفوذ الروسى الإيرانى بجغرافيا الصراع.

2 – انتقال ترامب من حيّز تسويات الحد الأدني، إلى التسويات الشاملة، ما يعني بروز التنسيق مع موسكو كحقيقة ثابتة، وهذا مرهون بمدى براجماتية ترامب، خاصة و أن معظم مستشاريه العسكريين يرون في روسيا والصين تهديدًا للإمبراطورية الأمريكية البازغ نجمها منذ عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، كما يظل ذلك مرهونًا بمدى التعاطى الأمريكى مع وقائع الميدان السورى التى صبت فى صالح روسيا وإيران.

3 – إدخال مصر كقوة اعتدال فاعلة، تتعاطى بمرونة مع محفزات الصراع، و أقطابه الدولية، تعيد اصطفاف الموقف العربي، وتُعَدّل من وتيره ديناميكيات تورطه في الأزمة، للفصل بين صراع النفوذ بين القوتين الإقليميتين تركيا وإيران، وتفعيل آلية عربية ترنو لإعادة توطين اللاجئين السوريين بأراضيهم، وتبنى رؤي تهدف لتحجيم دور الجماعات المسلحة في الصراعات في تحديد مستقبل الدول، ومن المتوقع أن يشهد الدور المصرى عقبات تتمثل فى إبعاد التصعيد التركى تجاه مصر، ومواقف السعودية الأخيرة التى باتت تنظر لمصر كونها منافسًا لها في قيادة وتحشيد المحيط العربي، إضافة إلى تداعيات التعاون مع إيران على المستوى الإقليمي والدولي.

الخلاصة

انطلاقًا من التجارب السابقة لإقامة المناطق الآمنة، فى البوسنة والهرسك وسريلانكا وروندا، التي أفضت جميعها إلى حقيقة مفادها أن “المناطق الآمنة نادرًا ما تكون آمنة”، فإن مستقبل آلية المناطق الآمنة في إدارة الصراعات المسلحة بالمنطقة يبقى مرهونًا بعدد من المحددات اللازمة، منها المُضى في سيناريوهات التسويات الشاملة، وليس تسويات الحد الأدنى الحاصلة الآن، التى تقوم على التهدئة المرحلية لمناطق الصراع الأشد احتدامًا، دون التعامل مع الجذور العميقة لمسببات الصراع، إذ تقوم تسويات الحدالأدنى بصورة أشمل على التعامل بواقعية مع تعقيدات الصراعات الداخلية التي باتت تستعصي على التسوية النهائية، في ظل التناقضات بين مواقف أطراف الصراعات والطابع الصفري للتفاعلات والمصالح الحاكمة لاستمرارها، والتعارض الكامل بين مصالح الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة لأطراف الصراع، كما ترتبط هذه الأنماط من التسويات بحالة انعدام الثقة بين أطراف الصراع، وإرث العداء المستحكم في ما بينها،وهيمنة قيم “الثأر” والتعصب و”شيطنة الخصوم”، وتصميم كل منها على إنهاء الوجود المادي للآخر، ما يجعل التوصل  لتسوية تقوم على المكاسب النسبية غيرقائم في إطار هذه الصراعات المعقدة التي تفتقد لتحديد واضح لأطرافها وشبكات تحالفاتها، ومنها عدم ضبط إيقاع التنظيمات المسلحة المفاعلة فى الصراع.

وأخيراً فإن استراتيجية المناطق الآمنة، إقليميًا، ربما تكون عديمة الجدوي، بدون التعاطي مع جذور الصراعات، ومحفزات عدم الاستقرار الممتد، والحواضن الإقليمية للعنف، فإن المناطق الآمنة قد تبدو منازل في منتصف طريق يعج بالتغييرات الديموغرافية العنيفة، التى لم تتضح معالم نهايته بعد


 

المراجع

1- If Trump Wants Safe Zones in Syria, There Have to Be Boots on the Ground

http://foreignpolicy.com/2017/02/09/if-trump-wants-safe-zones-in-syria-there-have-to-be-boots-on-the-ground/

2- Trump: Gulf States Will Pay For Safe Zones In Syria

http://dailycaller.com/2017/02/18/trump-gulf-states-will-pay-for-safe-zones-in-syria/

3- Trump’s hopes for Syria safe zones may force decision on Assad
http://www.reuters.com/article/us-usa-trump-safezones-idUSKBN15B0E5

4- Syria ‘safe zones’ for refugees pose dangers for U.S. alliances

http://www.washingtontimes.com/news/2017/feb/22/donald-trumps-plan-for-safe-zones-for-syrian-refug/

5 – افتراق المصالح في سوريا والعراق وراء التصعيد بين أنقرة وطهران لعرب [نُشر في 2017/02/22، العدد: 10551، ص(1)]