ترامب .. ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
ترامب .. ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط

ترامب .. ومستقبل النفوذ الروسي في الشرق الأوسط




مقدمة

أدى سقوط الاتحاد السوفيتي، إلي تحول جذري في القوي الدولية، فأصبحت أمريكا هي القوي المهيمنة دولياً، مقابل التراجع في الدور الروسي، ما أدي إلي تحول البنيان الدولي نحو القطبية الأحادية التي تقودها أمريكا.

تراجع الدور الروسي بعد الحرب الباردة، وأصبح قوة لا يعتد بها في السياسة الدولة، فأصبح الناتج  الإجمالي القومي الروسي حوالي 310 بليون دولار، أي حوالي 1% من إجمالي الناتج القومي العالمي في احصاءات عام 2001، كما انهارت الخدمة الاجتماعية، و بدأ عدد السكان في التناقص، إضافة إلي التدهور العام في القدرات العسكرية التقليدية والنوورية الروسية.

ومن أهم المعضلات التي واجهت روسيا، بعد تفكك الاتحاد السوفيتى فى ديسمبر سنة 1991، هى كيفية صياغة سياسة خارجية جديدة فى ظل حالة الانهيار الشامل من ناحية، وفى ظل النظام العالمى الجديد الذى تسيطر عليه الولايات المتحدة من ناحية، ومن ثم واجهت روسيا مشكلة إعادة هيكلة السياسة الخارجية فى ظروف التفكك الشامل المحيط بها، والأزمة العامة من ناحية ثانية.

امتلكت روسيا مقعد الاتحاد السوفيتي  فى مجلس الأمن وسفاراته فى الخارج، وامتلكت أيضا ترسانته النووية وأدوات نقلها (الصواريخ عابرة القارات) ومن هنا، جاءت المعضلة الثانية، وهى كيف يمكن صياغة مركز دولى جديد لروسيا لإعادة دورها وقوتها في المنطقة كقطب موازي للولايات المتحدة الأمريكية؟

التدخل الروسي في الشرق الأوسط

سعت روسيا إلى الاضطلاع بدور أقوى فى منطقة الشرق الأوسط، وتحول بوتين من سياسة الحياد السلبى، إزاء قضايا المنطقة إلى سياسة المبادرات، وتمثل ذلك فى زيارة بوتين للشرق الأوسط فى فبراير سنة 2007، زار خلالها السعودية، وقطر، والأردن، وأعلن من خلالها أن غزو العراق هو نموذج للتصرفات الأمريكية الفردية التى تزيد الأمور سوءا، ودعا إلى عقد مؤتمر إقليمى موسع للشرق الأوسط فى إشارة إلى اشتراك سوريا وإيران فى حل مشكلات المنطقة، ويمكن تفسير هذا التدخل من خلال عدة عوامل، منها:

–  استغلال روسيا التوتر والاضطراب في علاقات دول المنطقة مع الولايات المتحدة في تسجيل نقاط قوة جديدة، واستعادة قوتها في دول لا تزال تحت الهيمنة الأمريكية.

– وهناك رأي آخر يقول، إن روسيا لم تأت إلى الشرق الأوسط على غير إرادة الولايات المتحدة، وإنما بتنسيق معها لملء الفراغالمتوقع في المنطقة، على أثر الرحيل الأمريكي، حيث أكدت العديد من التحليلات أن الولايات المتحدة على مشارف إنهاء وجودها في المنطقة، بعد قربها من التخلي عن نفط الخليج، ولذلك تراجعت عن ضرب سوريا، وتقدمت في الموضوع النووي مع إيران.

مما سبق يتضح أن الشرق الأوسط لا يمثل سوي أحد مسارح السياسة الخارجية الروسية، ويعود إلى العالم وفق قواعد جديدة، بحسب المصالح التي تستهدفها روسيا، والمصالح التي تستهدفها الأقاليم من وراء علاقاتها معها.

الموقف الروسي من ثورات الربيع العربي

اتسم الموقف الروسي تجاه ثورات الربيع العربي بالبراجماتية “النفعية”، فلم ترحب روسيا بثورات الربيع العربي، بسبب عدة أسباب منها:

1- تشابكات الداخل الروسي:

النظام الروسي نظام محافظ للغاية، لا يؤمن بأي خطط ثورية، ولا يؤمن بالديموقراطية علي النمط الغربي، لكنه يؤمن بما يسمي بالديموقراطية الدستورية، أي شرعية المؤسسات، ولذلك يقترب نظام الحكم الروسي إلي نظام الحكم الشمولي غير الديموقراطي، الذي يفضل الاستقرار الاقتصادي وتحسن المستوي المعيشي عن الديموقراطية المصحوبة بالفقر، وتدعي روسيا اتباعها للنهج الشمولي غير الديموقراطي بسبب التباين العرقي والديني، والتباعد الجغرافي، وبالتالي تخشي الديموقراطية التي تعمل علي التفكك الفيدرالي مثلما حدث من تفكك الاتحاد السوفيتي.

2- الخوف من عدوى الثورة:

تخشي روسيا من وصول الثورات العربية إليها، بسبب تشابه النظم الشمولية في العالم العربي مع النظام الشمولي الروسي، وبالتالي فإمكانية وصول الثورات إليها كبيرة، خاصة بعد أن شهدت روسيا ثورات كبري وعملت علي اخمادها مثل ثورة الورود في جورجيا عام 2003، والثورة البرتقالية في أوكرانيا عام 2004، وثورتي قرغينيا عام 2005، 2010.

3- أزمة بناء نظام عالمي:

– أمريكا: لا تسلم روسيا بوجود نظام أحادي يحكم العالم خلال هذه الفترة، ولذلك تتحفظ روسيا علي الديموقراطية الأمريكية، وجهلها بتاريخ العالم التي تستهدفه.

– أفغانستان: واجهت أزمات عالمية أيضا ً من خلال الحرب في أفغانستان، والصراع علي الحزام الحدودي بين باكستان، و أفغانستان، واستهداف صربيا ومسانة كوسوفو.

– سوريا: استخدمت روسيا، حق الفيتو في وجه المشروع الأمريكي الأوروبي لإدانة النظام السوري في مجلس الأمن، وعملت علي تنسيق تحالف دولي من خلال مجموعة دول البريكس بالامتناع عن التصويت.

– الصين: عملت روسيا علي توجيه سياستها الخارجية نحو الصين ومحور آسيا المحيط الهادي.

– إسرائيل: حيث تضم روسيا نحو مليون إسرائيلي من أصول روسية وسوفيتية، فضلا عن وجود ما بين خمسة إلي ستة ملايين أسرة روسية لها أقارب وأصدقاء في إسرائيل.

4- القلق من القوي الإسلامية الأصولية:

تخسى روسيا من أن ينتهي الربيع العربي بظهور قوي إسلامية أصولية، تخلق بيئة اجتماعية واقتصادية للإرهابيين التي تخومها القوقاز وآسيا الوسطي، كما أن روسيا تأخذ بعين الاعتبار الوزن الديموغرافي والاقتصادي والثقافي لمسلمي روسيا الذين يمثلون نحو 17% من إجمالي السكان.

5- القدرات العسكرية البحرية الروسية:

لا تمتلك روسيا القدرات العسكرية البحرية التي تمكنها من إدارة متوازنة للصراع في المياه الإقليمية للعالم العربي، خاصة في ظل استحواذ أمريكا علي ساحات القتال في كل من شرقي البحر المتوسط والخليج العربي وبحر العرب.

الموقف الروسي من دونالد ترامب

ترحب  موسكو بفوز دونالد ترامب برئاسة البيت الأبيض، كما تؤيد أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية في أوروبا، لأنها ترى بصعود هذه الأحزاب إلى السلطة فرصة لإشباع رغبتها الجامحة باستعادة الاستقطاب الدولي الحاد الذي كان سائدًا خلال الحرب الباردة، ولمزيد من التصعيد الدولي الذي يتيح إعادة توزيع مراكز القوى العالمية على أسس جديدة، التي تطمح موسكو أن تنال فيها حصصًا أكبر.

كما أن ثقافة الاحتجاج والاستقطاب التي تُشيعها الشخصيات والأحزاب اليمينية والشعبوية سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، تعطي قيادة بوتين العديد من الفرص لترويج الخطاب الداخلي القائم على التصدي للغرب وتدمير أسطورته، وهو الخطاب الذي ساعد بوتين دومًا على تخطي العديد من الأزمات الداخلية والاقتصادية، وأنقذ شعبية نظامه في أحلك اللحظات.

تريد روسيا، من ترامب رفع العقوبات عنها، والاعتراف الأمريكي بضم شبه جزيرة القرم، والقبول بالتدخل الروسي في أوكرانيا وسوريا، كما يريد الكرملين من الناتو أن يعيد حائط الصواريخ إلى ما كان عليه أثناء الحرب الباردة، أي أن لا يشمل دول البلطيق وشرق أوروبا.

أوجه الاتفاق والاختلاف الروسي الأمريكي في الشرق الأوسط

ثمة توافق بين الرئيسين الروسي “فلاديمير بوتين” والأمريكي “دونالد ترامب” فيما يتعلق بمعارضة صعود الإسلاميين إلى السلطة، بمن فيهم التيارات المعتدلة من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية، خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق “أوباما”، حيث تنزع إدارة “ترامب” باتجاه رفض أي محاولات إقليمية للتأقلم مع أي قوى من تيارات “الإسلام السياسي” بما يتطابق مع الرؤية الروسية “البوتينية” في هذا الصدد.

كما أن هناك رغبة مشتركة من الجانبين فيما يتعلق بمجابهة تمدد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، سواء في العراق أو في سوريا، أو حتى ببعض الامتدادات الإقليمية للتنظيم في مناطق أخرى مثل ليبيا.

وتُمثل الأزمة السورية ملف توافق لافتًا بين الرئيسين، خاصة مع تأكيدات “ترامب” أن تحالفًا مع روسيا وسوريا لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، هو السياسة التي يفضلها للتعامل مع الأزمة السورية، ويتعزز التوافق الأمريكي-الروسي في الملف السوري مع وقف إدارة “ترامب” أي دعم عسكري لقوى المعارضة السورية، خلافًا لما كان عليه الوضع في ظل إدارة “أوباما”.

وتُمثل نقاط الخلاف بين رؤيتي القيادتين الروسية والأمريكية، مع سعي أركان إدارة “ترامب” إلى إحياء الدور الأمريكي عالميًّا، وتجديده، بعدما أدى غيابه إلى صعود موسكو وتوسعها في جوارها المباشر، وتعزيز نفوذها دوليًّا الذي يتجلى في منطقة الشرق الأوسط.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية السابقة، غضّت الطرف عن تصاعد التطرف الشيعي المدعوم من إيران إقليميًّا في إطار سعيها لإنجاز الاتفاق النووي مع طهران، الأمر الذي عزز من النفوذ الإيراني وحليفه الروسي في المنطقة، فإن رؤية “ترامب” ربما لا تفرق بين تطرف شيعي، وآخر سني، فالجميع لديه يوضع في سلة “الإرهاب الإسلامي” بغض النظر عن الخلفية المذهبية أو الحركية، ما يعني صدامًا محتملا مع حلفاء موسكو في الشرق الأوسط، خاصة الحليف الإيراني وأذرعه الشيعية المتمددة في دول الصراع بالإقليم.

يبدو النظام السوري أحدَ أبرز حلفاء روسيا المستفيدين من توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة، خاصة مع ما هو متوقع من أن تعمل موسكو وواشنطن يدًا بيد لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية” والمجموعات المنضوية تحت لواء تنظيم “القاعدة” في سوريا، الأمر الذي من شأنه أن يُساهم في تعزيز فرص بقاء “الأسد” وتمكين نظامه مستقبلا، خاصة في ظل استبعاد العمل العسكري لحسم الصراع في سوريا من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة.

وعلى النقيض من ذلك، يبدو الحليف الإيراني مهددا بتوجهات “ترامب” المناوئة، حيث سبق وأعلن أنه سيعمل على إعادة فتح باب التفاوض حول الاتفاق النووي مع طهران، لأنه يعتقد أن الاتفاق أعطى لإيران ما لا تستحق، وهو الأمر الذي يعني ضمنًا المساس بكل الإجراءات والترتيبات التي طالما ارتكزت عليها إيران لبناء الثقة مع المجتمع الدولي فيما يتعلق بسياستها النووية، ما قد يدفعها نحو اتباع سياسة أكثر عدائية مع واشنطن، ولو على الصعيد الدبلوماسي التصريحاتي، وقد تُعيد إدارة الرئيس “ترامب” التلويح مجددًا بالخيار العسكري المحدود ضد منشآتها النووية، بما يؤثر على تغلغل إيران في عددٍ من الملفات الإقليمية، خاصةً في سوريا واليمن.

هل يقيد الدور الروسي في الشرق الأوسط من نفوذ ترامب؟

أهداف التقييد الروسي للدور الأمريكي في الشرق الأوسط:

– تهدف روسيا إلي خلق نظام دولي متعدد الأقطاب، لاستعادة دورها الدولي كقوة عظمى بعد سنوات من التهميش عقب انهيار الاتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن المنصرم.

– إقامة نظام دولي متعدد الأقطاب، بما يخدم المصالح الحيوية المشتركة للبلدين، ومواجهة التهديدات الأمريكية والغربية بشكل عام.

– التعاون الروسي الصيني، نجح التوافق الروسي- الصيني عبر ممارسته النفوذ السياسي والجهود الدبلوماسية في استبعاد تدخل عسكري خارجي من قبل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) في سوريا، ومن ثم الحفاظ على نظام الأسد، الحليف الاستراتيجي لروسيا في المنطقة.

ومن ثم، تمكنت موسكو عبر توافق الضرورة مع بكين من خلخلة الانفراد الأمريكي- الغربي بمسار قوس الأزمات الصراعي في منطقة الشرق الأوسط، وأضحت الدولتان تمتلكان من الأوراق المهمة الكثيرَ للمناورة في تلك الأزمات، بما يدعم استراتيجيتهما الكلية ومصالحهما الحيوية في المنطقة.

توقع العرب أن يعيد الرئيس ترامب الانخراط في المنطقة بعد أعوام مما اعتبروه إهمالاً من جانب إدارة الرئيس باراك أوباما، حيث ضعفت العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط في عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما،  كما يأمل منافسو الولايات المتحدة أن يصبح ترامب حليفاً وينحاز إلى مصالحهم.

إن الولايات المتحدة لا يزال لديها عوامل ثقل مهمة في الشرق الأوسط، خاصة وجودها العسكري الكبير في الخليج العربي إلى جانب قوتها الاقتصادية، وهي عوامل ليست موجودة لدى روسيا.

ولكن النفوذ الجديد لروسيا في الشرق الأوسط ربما يحد مساحة الحركة لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يتقيّد بالنفوذ المتزايد لروسيا وإيران.

عزم ترامب على تبني سياسة أكثر حزماً في الشرق الأوسط قد ظهر واضحاً في بعض تصريحاته التي بدت أكثر اتساقاً من بين العديد من تصريحاته المتناقضة، كما  تعهد بالقضاء على ما سمّاه الإرهاب الإسلامي المتطرف.

يختلف ترامب مع بعض مرشحيه للسياسة الخارجية في عدد من القضايا، مثل أهمية حلف الناتو، والثقة في روسيا، إلا أنه يبدو أنهم متفقون حول الحاجة لزيادة وتيرة الحرب ضد تنظيم الدولة والتنظيمات “المتطرفة” الأخرى، وإضعاف النفوذ الإيراني المتزايد؛ الأمر الذي يجعل الشرق الأوسط المنطقة الوحيدة في العالم التي لن يشهد البيت الأبيض خلافات داخلية بشأنها.

كما زاد النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، مثل وجوده القوي في سوريا، وحصوله على قواعد عسكرية بحرية ومصالح أخرى هناك، وسعيه للتقارب مع بعض حلفاء أميركا التقليديين مثل مصر والسعودية، ومع بعض القوى في ليبيا، وتقاربه الأخير مع أنقرة، الأمر الذي يهدد روابط تركيا بحلف الناتو.

كما أنه بسبب اتباع الرئيس الأمريكي ترامب مبدأ “أمريكا أولا” الذي عمل علي إضعاف الدور الأمريكي في الشرق الأوسط ربما يخلق مزيدا من الفرص لروسيا لسد الفراغ في منطقة الشرق الأوسط.

كما أن إيران ومنذ الانسحاب الأميركي من العراق في 2011 أصبحت القوة الأكبر نفوذا في العراق، ما يجعل إعادة الدور الأميركي في إيران صعب للغاية.

سيناريوهات التمدد الروسي في الشرق الأوسط في عهد ترامب؟

استثمرت روسيا سياسة التقييد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط خلال إدارتي الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” (2009-2017) في تعزيز نفوذها في المنطقة، لتصبح الفاعل الدولي المؤثر في عدد من الملفات الإقليمية، خاصة الأزمة السورية.

ومع تولي الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” السلطة رسميًّا في العشرين من يناير 2017، حيث أعلن “ترامب” خلال حملته الانتخابية عن رغبته في إنهاء سنوات القطيعة في العلاقات الأمريكية– الروسية، والتعاون بين البلدين في العديد من الملفات والصراعات الإقليمية، التي يأتي في مقدمتها محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

اكتسب الدور الروسي في الشرق الأوسط زخمًا جديدًا منذ نهاية عام 2015، مع إطلاق الرئيس “فلاديمير بوتين” استراتيجية روسيا العسكرية الجديدة، كإطار تجميعي لاستراتيجية الأمن الروسي التي صِيغت خلال حقبة الرئيس السابق “ديميتري ميدفيديف” عام 2009، ووثيقة التخطيط الاستراتيجي التي صيغت في عام 2014، التي حولت العقيدة العسكرية الروسية من الدفاع إلى الهجوم، فإن ثمة رغبة روسية لتعزيز مكتسباتها الحالية في المنطقة والبناء عليها للحصول على مكاسب جديدة في ظل إدارة “ترامب”.

وبناءً على ذلك تُصبح الإدارة الأمريكية الجديدة عاملًا حاسمًا فيما يتعلق بتحقيق الطموحات الروسية من عدمه، وفقًا لسيناريوهات حركتها الخارجية، خاصة على صعيد الشرق الأوسط، التي ستلقي بظلالها، سلبًا وإيجابًا، على السيناريوهات المتوقعة للدور الروسي في المنطقة، وهي على النحو التالي:

السيناريو الأول: تقليص الدور الروسي في الشرق الأوسط:

تنكفئ به الاستراتيجية الروسية على مكاسبها السابقة في الشرق الأوسط، دون أدنى فرصة لتعظيمها، فتحاول تجميد ما تم اكتسابه والعمل على عدم تقلصه أو انكماشه حتى إشعار آخر، ويترجح هذا السيناريو حال تراجع الرئيس “ترامب” عن رؤيته بشأن روسيا وملفات الشرق الأوسط خلال حملته الانتخابية بشكل كامل، والنكوص على عقبيه بتوتير العلاقات مع روسيا، والعمل على تقليص الوجود الروسي المتمدد في المنطقة.

السيناريو الثاني: التنافس الروسي الأمريكي في الشرق الأوسط:

ربما تستمر الاستراتيجية الروسية على وضعها الفاعل الذي اكتسبته في المنطقة خلال السنوات الأخيرة من ولاية “أوباما”، وتنسيق الموقف مع الإدارة الأمريكية الجديدة حال أي مكتسبات أخرى تهدف إلى إنجازها، وهو سيناريو انعكاسي لانفتاح أمريكي محدود على روسيا، تتبادل فيه الدولتان تقديم تنازلات محددة لتخفيف حدة التوتر، والوصول إلى صيغة من التعاون المثمر بينهما، بما يعظم من نفوذ روسيا دوليًّا لكنه لا يرقى لطموحاتها لاستعادة مكانتها كقوة عظمى في نظام دولي متعدد الأقطاب.

السيناريو الثالث: التعاون الروسي الأمريكي في المنطقة:

وهو محور الاستراتيجية الروسية،  وبموجب هذا السيناريو تنجح موسكو في الوصول إلى تعاون كامل مع إدارة “ترامب”، وتصفية كل الخلافات الجوهرية، والتأكيد على نقاط التماس المشتركة بين البلدين، ما يعني نفوذًا روسيًّا غير محدود، قد يقود في النهاية إلى إعادة تشكيل النظام الدولي على أسس جديدة تضمن لروسيا مكانة تليق بطموحات موسكو كوريث للقطب السوفيتي الآفل، وهذا السيناريو لا يتحقق بغير انحياز كامل من إدارة “ترامب” للتطابق مع مجمل السياسات الروسية، إقليميًّا ودوليًّا، وهو أمر قد يبدو بعيد المنال على الصعيد العملي.

وفي النهاية يمكن القول، إنه من الصعب ترجيح كفة أي من السيناريوهات سالفة البيان، لاعتبارات تتعلق بحداثة تولي إدارة “ترامب” مقاليد الحكم في الولايات المتحدة، ولكن يتوقع أن يزيد النفوذ الروسي في الشرق الأوسط في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بسبب سياسة دونالد ترامب الانعزالية، واتباعه سياسة أمريكا أولاً، وخوفه من الإسلاميين، وبالتالي يتوقع أن يبتعد عن الشرق الأوسط خلال فترة حكمه، ما يخلي السبيل لروسيا لكي تزيد نفوذها  داخل الشرق الأوسط، لكي يصبح لها حلفاء في منطقة الشرق الأوسط، و تصبح قوة عظمي في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، فقد ساعدت القوات العسكرية الروسية نظام الرئيس السوري بشار الأسد على طرد خصومه من حلب، كما تحسّنت العلاقات الروسية التركية بدرجة كبيرة بعد تأزّم الأوضاع بين البلدين إثر إسقاط طائرة أف 16 تركية لمقاتلة روسية في نوفمبر 2015، فيما تدهورت من جهة أخرى العلاقات التركية مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام، ولكن تواجه روسيا مشكلات في الشرق الأوسط، منها أن بوتين، لا يبدو قادرًا على حلّ أيّ من صراعات المنطقة المتعددة فعليًا، ففي حين تدّعي موسكو أنها تعمل مع إيران وتركيا على وقف إطلاق النار في سوريا، إلا أن الجماعات السورية المعارضة التي يسعى بوتين إلى تجنيدها لهذه الغاية رفضت الانصياع


 

المراجع:

1- د. أحمد سيد أحمد، قضايا الشرق الأوسط في سباق الانتخابات الأمريكية، مجلة السياسة الدولية، عدد 205، يوليو 2016.

2- د. أحمد سيد أحمد،”إدارة ترامب وقضايا الشرق الأوسط .. حدود التغير”، مجلة السياسة الدولية.

3- روبت فيسك، “الشرق الأوسط سيقدم اختبارا مرعبا لترامب”، صحيفة الإندبندنت.

4- مصطفى شفيق علام، حدود التمدد الروسي في الشرق الأوسط في عهد “ترامب”.

5-  نفوذ روسيا يقيد فرص ترامب فى الشرق الأوسط، واشنطن بوست.

6- http://rawabetcenter.com/archives/39849

7- http://www.agsiw.org/ar/russias-middle-east-policy-trump-administration