الصناعة المصرية بين طريقين .. الاستهلاك أو التصدير - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
الصناعة المصرية بين طريقين .. الاستهلاك أو التصدير

الصناعة المصرية بين طريقين .. الاستهلاك أو التصدير




تزداد أهمية قطاع الصناعة سواء في الدول المتقدمة أو النامية، كونه أحد الركائز الأساسية لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويمثل مؤشراً لقياس التقدُّم الاقتصادي، لكبر حجمه بنسبة تصل إلى 20% من حجم الاقتصاد المصري، إضافة إلى  مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وما يوفره من العديد من فرص العمل، والحد من البطالة وتقليل الاعتماد على الاستيراد ودعم القدرات التصديرية.

وتختلف السياسات التصنيعية التي تتبعها مصر حسب الظروف التي يمر بها الاقتصاد المصري وقطاع الصناعة ومحاولة استغلال الإمكانات والفرص المتاحة لتطوير هذا القطاع.

تأثر الاقتصاد المصري بتراجع معدلات النمو الاقتصادي العالمي مؤخراً، وتوقف الإنتاج والتصدير تأثراً بانخفاض سعر البترول، إضافة إلى التقلبات السياسية التي شهدتها مصر وأدت إلى تراجع مؤشرات الاقتصاد المصري.

وعند النظر إلى طبيعة الاقتصاد المصري نجد أنه يستهلك أكثر مما يُنتج، وحجم وارداته أكبر من الصادرات، وتعتمد مصر في تمويل وارداتها على قطاعات مختلفة توفر العملة الأجنبية، هذه القطاعات بعضها يُعاني من الجمود وتراجع الإيرادات مثل عائد قناة السويس، أو تراجع عائدات السياحة نتيجة الاضطرابات السياسية المختلفة، فيتراجع النقد الأجنبي وتنخفض قيمة العملة الوطنية وترتفع معدلات التضخم.

 استراتيجيات لم تؤت ثمارها

منذ الربع الأول من القرن الماضي، أُنشئت العديد من المشروعات والمراكز الصناعية التي كانت تهدُف إلى إنشاء قاعدة صناعية محلية تٌحقق الاكتفاء الذاتي وتُقلّل من الاعتماد على الواردات ومحاولة إشباع السوق المحلي، فتم إقامة مصانع الغزل والنسيج وصناعة الكيماويات والأسمدة والصناعات الغذائية. ولم يكن الغرض من هذه الصناعات هو فتح أسواق خارجية جديدة بقدر ما كانت تهدُف إلى اشباع السوق المحلي والحفاظ على استقراره.

تبنت مصر في الخمسينات والستينات استراتيجية التصنيع للاستهلاك المحلي وذلك مع وجود حماية جمركية وغير جمركية للصناعة المحلية، وكانت تهدف هذه الاستراتيجية إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي لتخفيض الواردات، لكن نجد أن هذه الاستراتيجية لم تكن فعالة في تحقيق أهدافها، حيث تراجعت العديد من الصناعات بسبب الزيادة السكانية واستهلاك الفائض الزراعي، وزيادة الحاجة إلى استيراد المواد الغذائية خاصة القمح مع زيادة عدد العاملين بأكثر من الحاجة وتراكم مخزون غير قابل للتصريف وعدم صيانة الآلات والمعدات فتعرضت هذه الصناعات لخسائر عديدة مثلت أحد أسباب عجز الموازنة حيث تتحمل الدولة تكاليف الأجور والمرتبات.

نجد أيضاَ أن الحماية المرتفعة والمستمرة للمنتجات المحلية تؤدي إلى ضعف جودة هذه المنتجات وانخفاض كفاءتها وبالتالي عدم قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية، إضافة إلى أن استراتيجية إحلال الواردات تُواجه مشكلة نقص العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد المواد الأولية والوسيطة أو استيراد الآلات والمعدات ذات القدرات التكنولوجية المرتفعة، في حين أن صناعة الإحلال محل الواردات تكون إيراداتها بالعملة المحلية. وبحلول السبعينات والثمانينات اضطرت مصر إلى التخلي عن هذه الاستراتيجية التي ثبت قصورها.

 التصنيع للتصدير كبديل للإحلال محل الواردات

 اتبعت مصر استراتيجية بديلة قائمة على التصنيع من أجل التصدير وجذب رؤوس الأموال الأجنبية في صورة استثمارات مباشرة وتبنت مصر هذه الاستراتيجية مع بدء برنامج الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي عام 1991، واستمرت ربع قرن، لكن بعدها تراجعت فعالية هذه الاستراتيجية في مصر حالها كحال العديد من الاقتصادات النامية، حيث صعوبة إنتاج سلع وخدمات ذات قيمة مضافة مرتفعة تُمكّنها من المنافسة في السوق العالمي.

عند النظر إلى الدول التي تبنت استراتيجية التصنيع من أجل التصدير نجد أن اليابان وكوريا الجنوبية واجهتا نقصاً في العملة الأجنبية، فاستخدمت كل منهما التجارة الخارجية لعلاج مشكلة نقص العملة من خلال التصنيع من أجل التصدير وزيادة الصادرات وليس فقط إحلالاً للواردات، فاليابان بلد فقير في الموارد الطبيعية والصناعة فيه لا تعتمد على الموارد الطبيعية المحدودة، ولابد من استيراد المواد الخام والآلات حتى تقوم هذه الصناعة، فاختارت استراتيجية التصنيع للتصدير لتوفير اللازم من المواد الأولية والوسيطة، مع احتفاظها بدرجة عالية من القدرة على المنافسة العالمية وإلا فقدت أسواقها الخارجية، بالتالي نجد أن الصناعة التصديرية عليها الاحتفاظ بدرجة عالية من الكفاءة والحفاظ على الإنتاجية العالمية.

عادت مصر مرة أخرى لاستراتيجية التصنيع للتصدير فكان إصدار وزارة التجارة والصناعة لاستراتيجية تعزيز التنمية والتجارة الخارجية وهي خطة خمسية 2016-2020، تهدُف إلى توفير المناخ الملائم للنمو الصناعي المستدام القائم على تعزيز التنافسية والتنوع والمعرفة والابتكار لإحلال الواردات وزيادة الصادرات، مع زيادة معدل النمو الصناعي ليصل إلى 8%، وزيادة نسبة مساهمة الناتج الصناعي من17.7% إلى 21% في الناتج المحلي الإجمالي، إضافة، إلى زيادة معدل نمو الصادرات ليكون 10% سنوياً وتوفير 3 مليون فرصة عمل مناسبة ومنتجة. وستتحقق هذه الأهداف باتباع مجموعة من السياسات الصناعية والتجارية، واتباع مجموعة من البرامج والمشروعات، بالتركيز على عدد من الصناعات لترشيد الواردات وزيادة الصادرات ومنها الصناعات الهندسية وصناعة الغزل والنسيج والصناعات الكيماوية وصناعات مواد البناء.

 سعر العملة و تنشيط الصناعة المحلية

في حالة نقص العملة الأجنبية وعدم توافر التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج يتم اللجوء إلى الإنتاج بالمواصفات المحلية وعدم الأخذ بالمواصفات العالمية للصناعة، هذه المواصفات المحلية تتضمن ارتفاع أسعار السلع المستوردة وقبول أصناف ذات جودة أقل، ما يؤدي إلى المزيد من عدم الارتقاء بالإنتاج الصناعي المحلي ومن ثَمَّ عدم القدرة على الدخول في الأسواق العالمية.

واجه الاقتصاد المصري العديد من المشكلات أهمها نقص النقد الأجنبي حيث تراجعت معظم مصادره، فتراجعت إيرادات السياحة لتأثرها بالظروف الأمنية والسياسية وانخفاض تحويلات العاملين بالخارج مع تراجع العائد من قناة السويس، إضافة إلى أن الاقتصاد المصري يعاني من نقص في الموارد الطبيعية والمواد الأولية والخام المستخدمة في الصناعة، يتطلب ذلك الحاجة إلى استيراد هذه الموارد التي تحتاج إلى توافر النقد الأجنبي.

يتكون 70% من هيكل الواردات في مصر من السلع التي تدخل في إنتاج السلع النهائية وهي إما أن تكون سلع وسيطة ذات خامات غير متوفرة محلياً ولابد من استيرادها بسبب نقصها، أو سلع رأسمالية ذات قدرة تكنولوجية مرتفعة لا تستطيع مصر إنتاجها ويلزم استيرادها، ولقد شهد قطاع الصناعة وحركة الصادرات تطوراً كبيراً بعد مرور عام من تنفيذ الاستراتيجية الخاصة بالتصنيع من أجل التصدير.

 

شهد الاقتصاد المصري منذ عام 2011 العديد من التغيرات والأحداث السياسية وغيرها من الاضطرابات الأمنية، فانخفض حجم الصادرات منذ العام المالي 2011/2012 من 6.7 إلى 6.0 مليار دولار عام 2012/2013، ثم إلى 5.9 عام 2013/2014، ولكن بعد مرور عام على تطبيق استراتيجية التصنيع من أجل التصدير نجد ارتفاع صادرات مصر إلى 5.3 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي 2016/2017، مقابل 4.7 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق، وتضمّنت صادرات الوقود ومنها البترول الخام والمنتجات البترولية، والمواد الخام من المنتجات الغذائية والقطن الخام، وصادرات السلع نصف المصنعة والسلع تامة الصنع.

ايات

 

المصدر: بيانات البنك المركزي المصري.

تذبذب حجم الواردات في مصر بين الارتفاع والانخفاض بعد أحداث 2011، لتصل إلى أعلى مستوى لها في العام المالي 2014/2015، ولكن شهدت تراجعاً في الربع الأول من العام المالي 2016/2017 لتصل إلى 13.9 مليار دولار مقارنة بـ 14.6 في نفس الفترة من العام السابق، وتضمّنت الواردات من الوقود والمنتجات البترولية، والمواد الخام والسلع الوسيطة وواردات السلع الاستثمارية، والسلع الاستهلاكية المعمّرة وغير المعمّرة

2

في الربع الأول من العام المالي 2016/2017، نجد أن أغلب الصادرا ت المصرية إلى الدول العربية بما يقرب من 1.6 مليار دولار، أي بحوالي 30% من إجمالي الصادرات، بارتفاع عن نفس الفترة من العام السابق التي بلغت 1.3 تليها الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي 1.5 مليار دولار، بنسبة 28% من إجمالي الصادرات، التي انخفضت عن العام السابق حيث كانت تبلغ 1.6 مليار دولار بنسبة 34%، ثم تأتي الصادرات إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي بلغت 0.5 مليار دولار بنسبة 9.4% وأخيراً الصادرات إلى الدول الأوروبية خارج الاتحاد الأوروبي بقيمة 0.4 مليار دولار، بنسبة 7.5% من إجمالي الصادرات المصرية.

3

أما عن الواردات المصرية، نجد أن دول الاتحاد الأوروبي صاحبة أكبر نصيب من حجم الواردات التي بلغت 3.9 مليار دولار في الربع الأول من العام المالي 2016/2017، بنسبة 28% من إجمالي الواردات وتراجعت عن نفس الفترة من العام السابق، وكانت تبلغ 4.3 مليار دولار، بمعدل تراجع 1.4%، تليها واردات الدول العربية بنسبة 18%، وآخرها الواردات من الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالتالي نجد أن  تخفيض قيمة العملة يجعل أسعار السلع المصنعة محلياً أرخص، فتزداد تنافسية المنتجات الوطنية ويرتفع حجم الصادرات، وفي المقابل ارتفاع أسعار الواردات، ما يحد من شراء السلع المستوردة وإحلال المنتجات الوطنية محلها فتتراجع الواردات وتنخفض تكلفتها بالعملات الأجنبية، وبالتالي معالجة العجز في الميزان التجاري، ولكن يتوقف ارتفاع الصادرات وانخفاض حجم الواردات نتيجة انخفاض قيمة العملة على مدى قدرة الآلات الإنتاجية الوطنية والمدخلات الأخرى على تصنيع السلع التي تستورد من الخارج بجودة مماثلة وأسعار تنافسية، إضافة  إلى استجابة كل من الصادرات والواردات لتغير الأسعار (مرونة الطلب السعرية) الناتج عن تخفيض قيمة العملة، فإذا كانت هذه المرونة ضعيفة فإن ارتفاع الصادرات وانخفاض حجم الواردات ليس له تأثير، كما أن تخفيض قيمة العملة يترتب عليه جذب الاستثمارات الأجنبية حيث انخفاض تكاليف الانتاج خاصةً الأجور، إضافة  إلى زيادة الاستثمارات في الأسهم المصرية ذات الأداء الجيد وأسعار منخفضة.

إجمالاً .. نجد أن الظروف الاقتصادية وطبيعة النشاط الاقتصادي ببلد ما يجعل من الضرورة اتباع الاستراتيجية المناسبة في التصنيع، وضرورة أن يُصبح قطاع الصناعة قادراً على تمويل ذاته، فيتم التصنيع من أجل التصدير حتى يستطيع الاستيراد من الأسواق الأجنبية والفائض يعود إلى الاقتصاد المحلي.

مع العلم بأن التصدير لا يتوقف فقط على الأسعار وأن تخفيض العملة يؤدي إلى زيادة الصادرات، بل لابد من رفع جودة المنتجات ومراعاة المواصفات العالمية حتى يُمكنها الدخول في الأسواق الخارجية، مع العمل على تطوير هيكل التصنيع في مصر حتى يكون قادراً على إنتاج السلع الوسيطة ومدخلات الإنتاج غير مرتفعة التكنولوجيا لتخفيض استيرادها في ظل تذبذب سعر الصرف وإجراءات الحكومة للحد من الواردات.


 

المراجع:

–       استراتيجية وزارة التجارة والصناعة لتعزيز التنمية والتجارة الخارجية، موقع وزارة التجارة والصناعة.

–       مقال بعنوان ” التصنيع من أجل التصدير” د.حازم الببلاوي

–       دراسة بعنوان “إحلال محل الواردات” مركز كارنيغي الشرق الأوسط

–       النشرة الإحصائية الشهرية، البنك المركزي المصري، ديسمبر 2016.