مصر...ما بين التعويم وتفاقم "الدين الخارجي" - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
مصر…ما بين التعويم وتفاقم “الدين الخارجي”

مصر…ما بين التعويم وتفاقم “الدين الخارجي”




اختلفت المدارس الاقتصادية حول الدين العام،فأيدت النظرية الكلاسيكية أهمية توازن الميزانية العامة للدولة، حيث تبني الفكر الكلاسيكي مبدأ حياد الدولة وعدم تدخلها في النشاط الاقتصادي ورأت أن عجز الموازنة يؤدي إلى الاقتراض الذي لا يُضيف طاقة إنتاجية وينقل أعباء خدمة الدين وسداد أصل القرض لسنوات قادمة يصعب معها تمويل الموازنة العامة.

في حين أن المدرسة الكينزية نادت بأهمية الاقتراض لتمويل العجز وعدم ضرورة توازن الميزانية، حيث اقترح كينز تدخل الدولة لتحقيق التوظيف الكامل وتفعيل السياسة المالية، حيث أن عجز الموازنة يكون مرغوباً فيه لأنه يؤدي إلى مستوى التشغيل والناتج، فعندما يحدث خلل في التوازن بين الطلب والعرض يؤدي ذلك إلى حدوث البطالة التي يمكن القضاء عليها من خلال التمويل بالعجز وزيادة الإنفاق العام بالقدر الذي يتطلبه تحقيق الاستقرار، أو في حالة التضخم يتم القضاء عليه بتحقيق فائض بالإيرادات العامة بزيادة الضرائب فينخفض الإنفاق العامإلى الحد الذي يُحقق الاستقرار.

وتُعاني مصر من الإفراط الملحوظ في الاقتراض المحلي والخارجي، مع الانهيار الاقتصادي وتراجع المدخرات والاستثمارات وتراجع الاحتياطيات من النقد الأجنبي وتفاقم عجز الموازنة العامة للدولة، كما عانى الاقتصاد المصري من ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه، وترتب على تخفيض قيمة العملة ارتفاع حجم الدين الخارجي للدولة لأنها ستضطر إلى دفع مبلغ أكبر مماكانت تدفعه من قبل حتى يجريمبادلته بالدولار من أجل سداد الديون أو خدمة الدين، فنجد سعر صرف الجنيه المصري عام 2015 أمام الدولار 7.83، وكان حجم الدين الخارجي هذا العام 48.1 مليار دولار، ليصل الآن إلى 19.75 جنيه للدولار، وبلغ حجم الدين الخارجي 53.4 مليار دولار.

 

لماذا تلجأ الدول للاقتراض؟

تتطلب قضية الدين العام توفير الموارد الحكومية اللازمة لها فهي تُشكل جزءاً هاماً في إدارة الدين الحكومي والموازنة العامة وإدارة الاحتياطي من النقد الأجنبي، هذا الدين العام هو أحد مصادر الإيرادات العامة وتلجأ إليه الدولة لتمويل نفقاتها عندما تعجز عن توفير إيرادات أخرى خاصة من الضرائب، فتقترض إما من الأفراد أو هيئات محلية أو دولية أو دول أجنبية، هذا الدين إما أن يكون دين داخلي ما تدين به الحكومة داخلياً بين قطاعاتها المختلفة وتمتلكه مؤسسات محلية، أو دين خارجي وهو الذي تحصل عليه الدولة من دولة أجنبية أو من شخص طبيعي أو اعتباري مقيم في الخارج أو من هيئة حكومية أو منظمة دولية في الخارج.

تلجأ الدول النامية للاقتراض للعديد من الأسباب منها:

  • الحاجة إلى تمويل الاستثمارات من أجل التنمية وزيادة معدلات النمو الاقتصادي باستخدام وسائل حديثة كثيفة رأس المال والتكنولوجيا وهي الوسائل التي تفتقرها الدول النامية فتقترضلشراء الآلات والمعدات، إضافة إلى الاهتمام بالصناعة على حساب الزراعة ما يؤدي إلى اللجوء إلى الاقتراض لتوفير الكثافة الرأسمالية للصناعة.
  • سوء التخطيط لإنفاق القروض وانخفاض كفاءة توظيفها ما يؤدي إلى فشل العديد من المشروعات التي يجري الاقتراض من أجلها.
  • انتشار الفساد الإداري والمالي والسياسي في معظم مؤسسات الدولة ما يؤدي إلى إهدار جانب كبير من القروض وتهريبها.
  • عجز ميزان المدفوعات في معظم الدول النامية نتيجة لزيادة الواردات السلعية على حساب الصادرات، وانخفاض الأسعار العالمية للمواد الخام في الدول النامية المصدرة لها ما يؤدي إلى تدهور شروط التبادل التجاري فيزداد عجز الموازنة ويزداد الميل إلى الاقتراض، كما أن عجز ميزان المدفوعات في مصر نتيجة الاضطرابات الأمنية وتراجع النشاط الاقتصادي أدى إلى انخفاض الحصيلة من النقد الأجنبي.
  • كما يرجع زيادة حجم الدين الخارجي للدول إلى الحاجة للاقتراض لسد فجوة الموارد المحلية وتمويل الاستثمارات لعجز الادخار المحلي عن هذا التمويل كما هو الحال بالنسبة لمصر، حيث أن نسبة من هذه القروض تُوجه إلى تمويل عجز الميزانية واستيراد السلع الاستهلاكية خاصة المواد الغذائية، في حين أن الجزء الآخر من هذه القروضيوجه لتمويل مشروعات إنتاجية ذات عائد أقل لا يغطي تكاليف الاقتراض فيصبح القرض عبئاً على الاقتصاد المصري.

تطور حجم الدين الخارجي في مصر:

يواجه الاقتصاد المصري العديد من الأزمات الاقتصادية التي دفعت الحكومة إلى اللجوء إلى الاقتراض، فكان الإتجاه المتزايد للاستدانة ومحاولة حل هذه الأزمات لمواجهة تعثر مصادر العملة الصعبة، التي ترتبط بتراجع الإيرادات السياحية وإيرادات قناة السويس، أو من الاستثمارات الأجنبية وتحويلات العاملين بالخارج.وكانت هذه القروض الداخلية والخارجية بهدف سد عجز الموازنة، وإنجاز المشروعات المختلفة، مثل القرض الروسي بقيمة 25 مليار دولار لإنشاء أول محطة طاقة نووية في مصر، وقرض البنك الدولي بقيمة 3مليار جنيه، وقرض مشروع المليون ونصف المليون فدان، وقروض ومنح عربية أخرى، إضافة إلى قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار.

في محاولة لمعرفة تطور حجم الدين الخارجي لمصر خلال الفترة من 2000/2001 يتضح من الشكل التالي:

1

نجد تذبذب حجم الدين الخارجي لمصر بين الارتفاع والانخفاض خلال فترة الدراسة، ويرجع معظمها لتذبذب أسعار صرف العملات المقترض بها أمام الدولار ارتفاعاً وانخفاضاً، ففي عام2000/2001 بلغ حجم الدين 29.19 مليار دولار، مع حدوث انخفاض طفيف في حجم الدين حتى عام 2003/2004 ليصل إلى28.9، بارتفاع قدره 0.2 مليار دولار عن العام السابق له وذلك لارتفاع رصيد الديون قصيرة الأجل ، ومع تطبيق التعويم للجنيه المصري في هذا العام، حتى بعد التعويم ظل الارتفاع والانخفاض الطفيف في حجم الدين حتى يصل عام 2007/2008 إلى 33.9 مليار دولار، لتحقيق صافي استخدام من القروض والتسهيلات بحوالي 1.3 مليار دولار، ثم نجد أنه في عام 2012/2013 بلغ رصيد الدين الخارجي 43.2 مليار دولار بمعدل نمو 25.6%، نتيجة تراجع سعر صرف معظم العملات مقابل الدولار، فتراجع رصيد الدين، إضافة إلى زيادة صافي الاستخدام من القروض والتسهيلات والسندات.

وواصل الدين الخارجي ارتفاعه ليصل في 2015/ 2016 ما يقرب من  53.4 مليار دولار بارتفاع قدره 11.2% عن العام السابق له ليأتي الربع الأول من العام المالي 2016/2017 ويصبح حجم الدين الخارجي 60.15 مليار دولار.

أما عن رصيد الدين الخارجي من الناتج المحلي الاجمالي

2

كما ارتفعت أعباء خدمة الدين الخارجي لمصر خلال الفترة، لتبلغ عام 2015/2016 حوالي 5.2 مليار دولار، نتيجة ارتفاع المسدد من الاقساط الذي بلغ 4.3 مليار دولار.

في حين ارتفاع نصيب الفرد من الدين الخارجي حتى عام 2015/2016 ليصل إلى 573.1 دولار، والربع الأول من العام المالي 2016/2017 يصل إلى 618.2 دولار.

3

كيف تأثر حجم الدين الخارجي بتعويم الجنيه؟

تتبع الدولة نظام التعويم الحر للجنيه فتقومبرفع يد الدولة عن العملة بشكل كبير، لكي تتحرك وفقاً لقوى العرض والطلب، ما يحدث في حالة فقد البنك المركزي السيطرة على العملة.

فضلاً عن آثر التعويم الذي يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم وخلق المزيد من الضغوط على سعر الصرف، فإن التقلبات في سعر الصرف تؤدي إلى زيادة حالات المخاطرة التي يواجهها المصدرين والمستوردين، فالدين الخارجي مقوماً بالعملة الأجنبية ترتفع قيمته بعد ارتفاع قيمة العملة حيث أن البنك المركزي سيتحمل تكلفة أعلى عندما يلجأ لشراء الدولار من البنوك لسداد أقساط الدين الخارجي.

تُعد الموازنة العامة للدولة هي المتضرر الأكبر من تعويم الجنيه، لارتفاع أعباء فوائد الدين الخارجي التي تقدر بالدولار، إضافة إلى ارتفاع تكلفة استيراد السلع الأساسية كالقمح والمواد البترولية ومستلزمات الإنتاج، نجد أيضاً أن التعويم كان ضمن أسباب قبول صندوق النقد الدولي لإقراض مصر، وكان مؤشراً لقبول مؤسسات أخرى بالإقراض، فاستفاد البنك المركزي من هذه الثقة وطرح العديد من أذونات الخزانة والسندات في السوق الدولي فازداد حجم الدين.

إجمالاً نجد أن قرار التعويم يترتب عليه العديد من الآثار السلبية من ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع عجز الموازنة العامة نجد أيضاً تفاقم قيمة الدين الخارجي الذي تلجأ إليه الدولة لتمويل هذا العجز، حيث ارتفاع قيمة الديون القديمة التي جاري سدادها بعد التعويم نتيجة تفاوت أسعار الصرف وارتفاع الدولار، خاصةً أن أحد إيرادات خدمة الدين الخارجي هي الضرائب التي تجمع بالجنيه.

و يتعين على الحكومة زيادة الموارد الدولارية المستدامة ودفع النمو لتسديد الديون والإبقاء على سوق الصرف في حالة مستقرة والحفاظ على الاحتياطي من النقد الأجنبي.

 


 


 

المراجع:

  1. دراسة بعنوان ” أثر عجز الموازنة العامة في مصر في الدين الخارجي باستخدام التكامل المشترك والسببية”، (2015)، بحوث اقتصادية عربية، العدد71.
  2. دراسة بعنوان “أزمة الدين المصري، دراسة تحليلية”، (2016)، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية.
  3. البنك المركزي المصري، التقرير السنوي، أعداد مختلفة.