محدودي الدخل.. بين ارتفاع الأسعار وسندان الدعم - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

محدودي الدخل.. بين ارتفاع الأسعار وسندان الدعم




يُنظر إلى الدعم على أنه مجموعة من البرامج الاجتماعية التي تهدُف إلى مساعدة الأسر الفقيرة الأكثر تعرضاً للفقر، فالحكومة تدعم السلع والخدمات الأساسية كأحد الوسائل المتاحة للتخفيف عن محدودي الدخل وتحسين مستوى المعيشة وذلك بتوفير هذه السلع بأسعار تقل عن أسعارها الحقيقية لضمان الحصول على الحد الأدنى من الاحتياجات.

ويُعد الخبز أحد السلع المدعمة المتاحة لكل المستهلكين دون قيود تستفيد منه جميع فئات المجتمع خاصةً ذوات الدخل المنخفض، ولا يتأثر سعره بارتفاع الأسعار مثل باقي السلع، ويُعتبر دعم السلع الغذائية سياسة تستخدمها الدولة لحماية مواطنيها من ارتفاع أسعار السلع الأساسية،وعند مناقشة مشكلة الدعم لابد من ربطها بمستوى الأجور والأسعار لضمان حد أدنى لتكاليف المعيشة وتحقيق رقابة فعالة لضمان تحقيق معدلات إنتاجية أعلى.

سياسة الدعم في مصر

يعود نظام الدعم في مصر إلى عام 1941 في فترة الحرب العالمية الثانية، وطبقت الحكومة برامج الدعم لجميع المواطنين في محاولة لتخفيف حدة الآثار السلبية للحرب على مستوى معيشة المواطن، وتضمنت هذه البرامج توفير بعض السلع والاحتياجات الأساسية مثل السكر، والزيت، والشاي، والكيروسين، بنظام الحصص واستخدام البطاقات التموينية بمقدار محدد لكل فرد في الأسرة.

ويعدالدعم المباشر في مصر هو أحد أوجه نظام الدعم، ويكون موجهاً لحماية المستهلك وتظهر أرقامه في الموازنة العامة للدولة، ويشمل دعم السلع التموينية والخبز ودعم الأدوية الأساسية والتأمين الصحي.

وتتمثل مشكلة الدعم في مصر في عدم تحقيق العدالة الاجتماعية وانخفاض الكفاءة الاقتصادية، فعلى الرغم من محاولة توفير الدعم إلا أنه لا يصل إلى مستحقيه، حيث أن دعم السلعة وليس دعم الفرد يؤدي إلى وصول هذه السلعة إلى المستحق وغير المستحق، ما يؤدي إلى عدم العدالة الاجتماعية وزيادة الإنفاق العام وانخفاض الإيرادات الحكومية وبالتالي زيادة عجز الموازنة العامة، وعليه عدم كفاءة سياسة الدعم وعدم تحقيقها لأهم أهدافها المتمثلة في تحقيق العدالة الاجتماعية.

كذلك ارتفعت قيمة الدعم الموجه إلى السلع التموينية بزيادة عدد الأسعار العالمية خاصة أسعار البترول والغذاء، إضافة إلى زيادة عدد أصناف السلع التي يشملها الدعم، وكانت الحكومة ترى أن حجم الدعم هو السبب الأساسي في عجز الموازنة العامة، فبدأت في التخفيض التدريجي لعدد السلع الغذائية المدعمة ليقتصر الدعم على أربعة سلع غذائية أساسية، هي الخبز، والزيت، والسكر، والأرز، تبع ذلك تخفيض عدد الأشخاص الذين يملكون بطاقات التموين والمستحقين للدعم والتوقف عن تسجيل المواليد في نظام الدعم.

1

نجد تذبذب قيمة دعم السلع التموينية من إجمالي الدعم المُقدّم من الحكومة ليصل إلى أعلى مستوى له في الموازنة العامة لعام 2016/2017 ويُقدّر بـ 41.115 مليار جنيه، مقابل 37.751 مليار جنيه في موازنة عام 2015/2016، بزيادة قدرها 8.9%.

دعم الخبز كأحد السلع الأساسية

يستهلك 90% من الأسر المصرية الخبز المدعم في غذائهم بشكل عام، بمعدل 4 أرغفة في المتوسط لكل فرد، ويستحوذ الخبز على النصيب الأكبر من الدعم الموجه للسلع التموينية، حيث بلغت قيمة دعم الخبز وفقاً للموازنة العامة لعام 2016/2017 ما يقرُب من 23.715 مليار جنيه، وبلغت نسبة دعم الخبز ما يقرُب من 57.6% من إجمالي دعم السلع التموينية، و حوالي 11.7% من إجمالي الدعم، ويبلغ عدد المستفيدين من دعم رغيف الخبز ما يقرُب من 82.2 مليون فرد، حيث أن كميات الخبز المستحقة للمواطنين ما يقرُب من 137.1 مليار رغيف سنوياً.

ارتفاع الدعم على السلع التموينية وضمنها الخبز جعل الحكومة تتبع استراتيجية لتخفيض هذا الدعم بشكل تدريجي، فبدأ ذلك برفع سعر رغيف الخبز، وإنقاص وزن الرغيف، ووجود تصنيف بدرجات مختلفة للخبز وبالتالي إتاحة الفرصة السوق لإنتاج وبيع الخبز ذو جودة عالية بسعر مرتفع للأسر الأغنى ويبقى الخبز الأقل جودة للأسر محدودة الدخل، ثم رفع الدعم عن الخبز ذو الجودة الأعلى، وكان نتيجة ذلك هو الخفض الكبير لعدد السلع المدعمة وكذلك قيمة الدعم الكلي.

أزمة الخبز في مصر

نشأت مشكلة الخبز المدعم في مصر نتيجة للطلب المتزايد الناشئ عن الزيادة السكانية المستمرة، وعجز الإنتاج عن تلبية حاجة الطلب بسبب محدودية الرقعة المزروعة، فيتم اللجوء إلى زيادة الاعتماد على الواردات لسد الفجوة بين العرض والطلب، وترجع زيادة الإنفاق على دعم السلع التموينية ومن بينها الخبز إلى زيادة الإنفاق على شراء القمح من الخارج لتشغيل المخابز نتيجة زيادة الطلب عليه بسبب الاستهلاك المتزايد، وكانت وزارة التموين والتجارة الداخلية، طبقت منظومة لتوزيع الخبز على أن يحصل المواطن على 5أرغفة يومياً بسعر5 قروش.

تعمل الحكومة على خفض هذا الدعم لسد عجز الموازنة العامة من خلال خفض النفقات العامة، كالدعم، والتحويلات، والأجور، والرواتب الحكومية،وإعادة النظر في منظومة الدعم المُقدّم للمواطنين في الفترة الراهنة،وهو أحد فواتير معالجة العجز الماليوالتي يتحملها المواطن كأحد شروط صندوق النقد الدولي للحصول على القرض،فكان القرار بوقف العمل بالبطاقة الورقية وتخفيض عدد أرغفة الكارت الذهبي لأصحاب المخابز لـ 500 رغيف يومياً بدلاً من 1500، وهو الكارت الذي من خلاله يصرفالخبز لغير حاملي بطاقات التموين الإلكترونية، و جاء هذا التخفيض بزعم أن ذلك سيُعالج التشوهات الموجودة في منظومة الخبز لمعرفة مستحقي الدعم من عدمه. وبالتالي قد يتبع ذلك تخفيض حصة المواطنين من الخبز يومياً، هذا الخفض يُمثل ضغطاً على الفقراء، إضافة إلى وجود عدد من البطاقات الورقية والبطاقات الإلكترونية المعطلة، يصرف الخبز لهم من خلال الكارت الذهبي الذي يستخدم أيضاً في صرف عمليات وهمية من قبل أصحاب المخابز للحصول على فارق إنتاج الخبز المدعم.

ويكمن البديل فيضرورة إعادة النظر في تشوهات سياسة الدعم الحكومي الذي يتطلب إعادة توجيه هذا الدعم لمحدودي الدخل، وإعادة النظر في الدعم الموجه لغير المستحقين واختيار التوقيت المناسب لاتخاذ إجراءات تخفيض الدعم مع مراعاة ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات، ما يُشكّل عبئاً على المواطنين خاصةً الطبقات الفقيرة، إضافة إلى ضرورة إيجاد سياسات لإصلاح تشوهات هيكل الأجور لرفع مستوى المعيشة، ما يُقلل الحاجة للدعم تدريجياً، فالأولى أن تلغي الحكومة البطاقات الورقية ووصول بطاقات التموين لجميع المستحقين ثم بعد ذلك تخفيض حصة الكارت الذهبي.

 

 


 

المراجع:

  1. دراسة بعنوان “كفاءة وعدالة سياسة الدعم في مصر” (2005)، المركز المصري للدراسات الاقتصادية.
  2. دراسة بعنوان “الخبز المدعم في مصر .. حقائق وأرقام” (2010)، مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار، العدد42.
  3. دراسة بعنوان “سياسات الدعم قبل وبعد ثورة 25 يناير” (2012)، منتدى البدائل العربي للدراسات.
  4. موقع وزارة المالية، البيان المالي للموازنة العامة، أعداد مختلفة.