في انتظار الانقلاب السادس.. لماذا كثرت سكاكين قطر؟ (تقدير موقف) - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
في انتظار الانقلاب السادس.. لماذا كثرت سكاكين قطر؟ (تقدير موقف)

في انتظار الانقلاب السادس.. لماذا كثرت سكاكين قطر؟ (تقدير موقف)




من المهم عند التعرض للعلاقات الخليجية القطرية أن نعى أن الأزمة الحالية بين قطر – و الإمارات والسعودية غير مستحدثة أو أنها الأولى من نوعها، بل إنها أحد حلقات أزمة مزمنة منذ أواخر التسعينيات، حيث مثلت قطر صداع مزمن مستمر لجيرانها في دول مجلس التعاون لخروجها عن فلك التبعية المحلية للقرار الخليجي والمنافسة على الوكالة الأميركية في منطقة الخليج بعد حربه الثانية، وبالتالي فإن مسألة مثل قطع العلاقات مع قطر من جانب الرياض وأبو ظبي والقاهرة والمنامة ليس أمرا استثنائيا، بل أنه أصبح متكرراً كل عدة أعوام، فبعد قطع العلاقات في 2014، قررت العواصم قطع السابقة علاقاتها بالكامل مع الدوحة فجر اليوم.

 تطور هذا الطموح القطري منذ بداية الألفية الجديدة إلى التطلع إلى دور إقليمي كان ينتقص من تفرد وهيمنة الرياض على مستوى دول التعاون الخليجي وكذلك في المنطقة، ويمثل ثغرة كبيرة في اصطفاف خليجي موحد صلب تجاه مختلف التحديات بما فيها ضبط العلاقات مع واشنطن، حيث لم تكتف الدوحة بما يليق بإمارة صغيرة كان من المفترض أن تكون في وقت نشأة دولة الإمارات جزء منها، بل أنه حتى بإخفاق مشروع الاتحاد التساعي بانسحاب الدوحة والمنامة منه، فإن الأولى لم تستكين للدوران في فلك سياسات السعودية مثل البحرين، بل كان طموحها المدعوم بمليارات الغاز الطبيعي أكبر من أن يختصر في تمثيل شرفي على طاولة مجلس التعاون بقيادة الرياض أو حتى أن تتذيل المملكة كوكيل إقليمي للسياسات الأميركية، بل سعت لأن تكون وكيل مماثل ومؤثر في السياسات الإقليمية بالتقافز المستمر بين المواقف و التحالفات بين القوى الإقليمية المختلفة، وإدارة علاقات خارجية تجمع النقيضين في سمتها العام، فعلى سبيل المثال لا الحصر احتواء الدوحة ودعمها لحركة حماس وفي نفس الوقت توطيد علاقاتها بتل أبيب.

الفارق في هذه الحلقة من الصراع الخليجي على الوكالة الأميركية، أن كل من أبوظبي والرياض نجحا في استحداث موقف أميركي سلبي تجاه الدوحة، وهو عكس ما كانت تتكئ عليه الأخيرة في سياساتها منذ نهاية التسعينيات وهو التفاهم مع واشنطن التي كانت تتعامل مع الإمارة الخليجية المشاكسة على أنها “شر لا بد منه”؛ فبخلاف تواجد أكبر وأهم قاعدتين عسكريتين لواشنطن في الشرق الأوسط  – العُديد والسيلية- في قطر اللتان مثلا العمود الفقري اللوجيستي لغزو العراق وأفغانستان وخلق توازن عسكري في الخليج مع إيران، فإن سياسات الدوحة الجامعة للأطراف المتناقضة أفادت الولايات المتحدة على أصعدة أمنية وسياسية واستخباراتية، لم تقف فقط عند حد توسط قطر بين الولايات المتحدة وطالبان – افتتحت مكتب تمثيل لها في الدوحة قبل 4 أعوام– بل وبشكل أساسي وجدت واشنطن أن سياسات قطر كإزعاج مستمر في منطقة الخليج يضمن عدم توحيد قرار دول مجلس التعاون بأي شكل سلبي قد يكرر سيناريو قطع النفط عنها في أعقاب حرب 1973، ولذلك كانت واشنطن في حلقات الخلاف القطري – الإماراتي – السعودي تكرس قاعدة لا غالب ولا مغلوب بين في التسويات المؤقتة بين الطرفين التي كان أخرها المصالحة الخليجية 2014.

لكن مع تسوية الخلافات السعودية الأميركية في عهد إدارة ترامب، الذي حصد مقابل زيارته للرياض وحضوره قممها المتداخلة وخطاب دعائي على 480 مليار دولار، فإن إدارته فضلت فيما يبدو رفع يدها عن قطر والاستغناء عن “الشر الذي لابد منه” وترك “تأديب” قطر لحلفاء واشنطن الذين التقوا على أرضية لا مركزية تحقيق المصالح الأميركية وتوفيق أولويات كل من حلفاء “الاعتدال” وفق البوصلة الأميركية وحسبما يتراءى لكل دولة لتحقيق مصلحتها بشرط عدم تعارضها مع الأولويات الأميركية في الشرق الأوسط بل تكاملها معها، ما لم تبتعد عنه قطر لكن الذي باعد بينها وبين ترامب هو أن الرياض وأبو ظبي حققوا المقابل المشروط مادياً وسياسياً، نظير ملائمة خطاب ترامب لصالحهما، بما في ذلك قضم أدوات وأوراق نفوذ قطر بدفع من السعودية والإمارات؛ فنرى ترامب يلمح في خطابه بالرياض إلى محاسبة الدول التي ترعى الإرهاب وتضمينه لحركة حماس ضمن هذا التصنيف، كذلك وبشكل أعم فإن لملمة فوضى “الربيع العربي” الذي مثل قمة نفوذ قطر الإقليمي  تمثل أولوية مطلقة لكل من القاهرة وأبوظبي ثم بعد ذلك الرياض، وفي إطار التوافق مع الأولويات الأميركية لم تبدي واشنطن في عهد ترامب أي تحفظات على سياسات هذه الدول تجاه قطر بالإضافة إلى رفع دعمها المعهود للدوحة في مثل هذه الأزمات على النحو السابق شرحه.

وفي نفس سياق التوافق بين ترامب ودول “الاعتدال”، فإن من البديهي ووفق أولويات الإدارة الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط أن ينتهي الصراع بين “حلفاء” الولايات المتحدة؛ فبعد خفوت حدة الخلافات المصرية السعودية التي بدأت منذ 2015 بتفضيل الرياض في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز التحالف المؤقت مع قطر تركيا، وانتهاء دواعي هذا التحالف، لم يبق أمام واشنطن سوى إنهاء شق صف حلفائها عن طريق الدوحة، وهي السياسة التي كانت تتبعها الإدارات الأميركية السابقة كورقة ضغط مهمة على حلفاء “الاعتدال” ولعدم إنفراد السعودية بالقرار الخليجي أو العربي، وهو الأمر الذي لا ترنو إليه إدارة ترامب، فباختصار يرى استراتيجي البيت الأبيض أن أي غلبة لدول “الاعتدال” على محور المقاومة لم تتحقق طيلة السنوات الماضية لأسباب على رأسها دور الدوحة في شق إجماع عربي سعت إليه الرياض والقاهرة وأبوظبي على مدار السنوات العشر الماضية، وبذلت السعودية ما لا يبذل باللين والضغط حتى على حلفائها مثل مصر لتحقيق نفس الهدف في العاميين الماضيين، وبالتالي فإن الإدارة الأميركية في إطار تسوية صراع حلفائها على وكالتها في المنطقة رأت أن سياسات الدوحة ستعطل أي سياسات تنتهجها مستقبلاً السعودية وخلفاها دول الاعتدال ضد محور المقاومة، سواء إذا استمرت قطر في سياسة القفز بين المحاور، أو إعادة محور تم إجهاضه سريعاً –قطر الإخوان تركيا- إلى حيز الفاعلية، وهو الذي انتهت ظروفه الموضوعية بالأساس، وستضطر واشنطن في كل من الاحتمالين إلى التدخل المباشر وهو ما يخالف أولوياتها الاستراتيجية الراهنة في الشرق الأوسط.

الأزمة الأخيرة لم تفلح جهود الوساطة والتقريب في نزع فتيلها، وآتى التصعيد الأخير بقطع مصر والسعودية والإمارات والبحرين علاقاتهم مع قطر لتؤكد تجميد هذه الجهود وترشح الأزمة لتصعيد غير مسبوق حتى في إطار الخلافات بين الدوحة والرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة، وهو ما يؤكد أن الأزمة الحالية لن تحل على غرار أزمة 2014 التي سُكنت بـ”المصالحة الخليجية”، لاعتبارات منها أن قطر لم تلتزم ببنودها ولجأت إلى المماطلة وتنفيذها شكليا؛ كون أنها اضطرت لقبولها ارتهانا بمتغيرات على مستويات داخلية وإقليمية ودولية تغير من موقف دول الاعتدال تجاهها، وكون أن شروط المصالحة من وجهة نظر الدوحة كانت تهدف في النهاية حل تدريجي تصاعدي على مدى زمني يسمح بمناورة ارتهانا لهذه المتغيرات، التي حدثت إقليميا ودوليا وداخليا في السعودية بعد وفاة الملك عبدالله، وتغير الموقف استراتيجيا في سوريا بعد التدخل الروسي، وتوتر علاقة الرياض بواشنطن، وهو ما دفع المملكة في عهد سلمان بتغيير سياساتها تجاه المحور القطري التركي. وهو ما تطابق على مستوى إعلامي ودعائي بعدم مهاجمة المملكة في الإعلام القطري الإخواني على الرغم من كون المملكة داعم أول للنظام المصري، وفي عهد سلمان وعند بداية الأزمة مع مصر ضربت قطر على وترها لإثارة ميل السعودية لها بوازع من موائمة السعودية لفرض شروطها على حلفائها وخصوصاً مصر في كافة المستويات طبقا لتحالفها الوقتي مع أنقرة والدوحة وفعالياته في العدوان على اليمن، ما طوّر موقف الرياض السلبي وقتها تجاه القاهرة وانحازت للدوحة . لكن مع تغير الموقف بعد مجيء ترامب وسحبه لتهديداته وتضييق التباينات بين حلفاء واشنطن في القضايا الخلافية على أرضية لامركزية الأولويات فأن الموقف تغير خاصة وان سوريا ع سبيل المثال لم تعد على أولويات السعودية بعد خسارتها مع الدوحة وأنقرة معركة حلب.

ماذا بعد هو السؤال الأهم؛ فقطر في موقف لا تحسد عليه، ظهرها للحائط ولا تستطيع أن تقفز بسهولة اعتادتها في الماضي بين المحاور وأجتراح تحالفات جديدة تخرجها من مأزق لا يوجد مبالغة في أنه مأزق وجودي سيتجاوز حتى قطع العلاقات الدبلوماسية إلى قطع كافة العلاقات الاقتصادية والتجارية، أي فرض حصار لإخضاع الدوحة إن لم توافق على شروط وأوامر الرياض وأبوظبي، والذي يعني حال موافقتها أنها تتنازل عن كافة أوراق قوتها ونفوذها إقليمياً وخليجياً مرة وإلى الأبد وتقيد أي محاولة مستقبلية لاستعادة دورها الإقليمي بأدوات إعلامية واقتصادية وسياسية سيتم كسرها إن وافقت، لتتحول لإمارة تابعة حالها لن يختلف كثيراً عن ثقل البحرين السياسي على نفس المقياس. وهنا أمام قطر ثلاث سيناريوهات غاية في السوء لتفادي السيناريو الرابع الأسوأ:

  1. السيناريو الأول:

    أن تحاول قطر عن طريق تركيا تخفيف الشروط الإماراتية- السعودية للوصول لحل وسط، وهو سيناريو مستبعد لانتفاء حاجة تركيا لتصعيد مع أبوظبي والرياض خاصة وأن أنقرة لديها أولويات أهم من أن تنخرط في صراع خليجي-خليجي لا يوجد من وراءه مكسب يُستحق بذل عناء تجاهه، وسيؤثر بالضرورة على أولوياتها حيال علاقاتها مع أوربا والناتو وتسوية الوضع مع روسيا وإيران في سوريا وشمال العراق وبناء إطار جديد لعلاقتها مع واشنطن الذي تتوتر العلاقات بينهم بشكل طردي بسبب العمليات العسكرية لكل منهما في المسرح الكردي.

  2. السيناريو الثاني:

    اللجوء إلى روسيا وإيران، وهو يعني خط اللاعودة مع السعودية ودول الخليج وقبلهما الولايات المتحدة، التي قد تجرد الدوحة من أهم مرتكز استراتيجي تستند إليه وجودياً بجانب الغاز الطبيعي وهو القواعد العسكرية الأميركية. كما أن هذا التحول له فاتورة باهظة الثمن بالنسبة لقطر ستكون فقط أرضية ينطلق منها من حيث المبدأ بحث طهران وموسكو انتشال قطر من أزمتها الوجودية، وهي فاتورة لا تقل كثيراً من حيث الضرر عن الأوامر التي تريد الرياض وأبوظبي أن تنفذها الدوحة، فمثلاً ستعود حماس إلى محور المقاومة ويقل نفوذ قطر عليها وهي نفس النتيجة تقريبيا إذا ما وافقت على شروط السعودية والإمارات. ناهيك عن أن حاجة إيران لقطر حالياً شبه معدومة وخاصة أن قبولها في محور “المقاومة” لن يكون كاملاً وخاصة من دمشق، وسيثير مشاكل أكثر من حلول تم تحقيقها وإنجازها ميدانياً في سوريا والعراق واليمن حينما كانت قطر تتموضع في خندق الخصم ضد محور المقاومة. والفائدة الوحيدة التي من الممكن أن تجعل طهران تتجاوب مع مغازلة قطر لها هو أن جذب قطر ناحيتها سيجمد التصعيد السعودي الأميركي الجديد عند حدود استمرار النزاعات الخليجية العربية بصفة أن قطر ثغرة تمثل إمكانية نفوذ محور ثالث يوازن بين المحوريين ويؤجل التطاحن المباشر بينهم.

  3. السيناريو الثالث:

    تسوية الأمر أميركياً، أي لجوء الدوحة إلى ترامب بشروطه لتفادي ما هو أسوأ، ولكن هذه العملية والتمهيد لها في دوائر صنع القرار في واشنطن قد فشلت فيها الدوحة ونجحت فيها الرياض وأبو ظبي، ولم تفلح المحاولات القطرية في التوضيح لإدارة ترامب بأن “سوء التفاهم” بينهم ناتج عن مفاعيل تشويه صورتها على يد رجال العاصمتين الخليجيتين في واشنطن، ناهيك عن توجه ترامب السابق ذكره أعلاه في التخلص من “الشر الذي لابد منه”.

  4. السيناريو الرابع «الأسوأ»:

  5. الذي يُعد الحل الجذري الفاعل للسعودية والإمارات هو عودة الفرع الأصلي لآل ثاني للحكم في الدوحة، كما كان الحال قبل عام 1972 عندما أطاح خليفة بن حمد، جد تميم، بحكم بن عمه أحمد بن علي آل ثاني. أو بالحد الأدنى إعادة نجلي حمد بن خليفة، أخوات تميم، مشعل وفهد بن حمد آل ثاني، للصورة وتصعيد أحدهما –وبالأخص فهد المنفي في الخارج- للحكم. أو ترتيب انقلاب بواسطة شقيق تميم، جاسم بن حمد آل ثاني الذي يكبره في العمر، وهو أمر ليس بالغريب على الأسرة الحاكمة في قطر.

أياً كان السيناريو الذي سيحدث، فإن المؤكد أن الدور القطري لن يعود إلى ما كان عليه سواء في منظومة التعاون الخليجي أو المنطقة، كما أن المرتكزات التي وفرت في الماضي سلماً لصعود الدور القطري قد تحللت بشكل كبير، سواء جماعة الإخوان المسلمين المطاردة التي يبحث قادتها عن منفى جديد، أو حركة حماس التي تحزم حقائبها لمغادرة الدوحة بطلب من الحكومة القطرية وليس أمامها إلى طريق طهران بصفة أنه الطريق الوحيد المفتوح بعد التصعيد الأميركي-الخليجي الأخير ضدها، أو حتى المرتكز الأميركي الذي فيما يبدو سأم من سياسات قطر على مدار الأعوام الماضية وتركها عارية أمام الضغط الإماراتي السعودي. أما عن قناة الجزيرة والآلة الإعلامية القطرية والمؤسسات البحثية وجيش من المثقفين والإعلاميين والباحثين والنشطاء الذين استخدمتهم قطر، فأنهم فيما بدا من أهمهم – عضو الكنيست السابق عزمي بشارة– أنهم سيدخلون في بيات شتوي طويل أو يغيروا من جلدهم و”قناعاتهم” من أجل البقاء والتعايش!