ما الذي يعيق التحول السياسي نحو الديمقراطية في الدول العربية؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية

ما الذي يعيق التحول السياسي نحو الديمقراطية في الدول العربية؟




 

إنَّ ما يطرأ على العالم العربي في السنوات الأخيرة هو بداية النهاية للدولة القومية الحديثة، تلك الدولة التي تسعى من خلالها النُخب السياسية و الاقتصادية الحاكمة إلى التدخل و التحكم في مصادر دخل المواطنين، إذ أن الدولة العربية اليوم أشبه ما تكون بالإطار الفارغ الذي سقطت كل مؤسساته بفعل غياب الفاعلية الحقيقية للدولة الحديثة في إدارة مصالح الشعوب.

فالدول العربية اليوم تُحارب الداخل من أجل الخارج؛ أي أنها بالغت في استخدام القمع و العنف بعد أن فشلت في تحقيق أهدافها القومية التي نشأت من خلالها القومية العربية بعد الديمقراطية التي كانت سائدة في البدايات، إذ أن فشل الدولة العربية في تحرير فلسطين و العمل على تنمية المٌجتمعات العربية و تخليصها من الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية السيئة بفعل الاستعمار السابق، أغضب الشعوب من الدول ومن نُخبتها الحاكمة، وجعلها تعبر عن استياءها من تلك السياسات التي لا تلبي رغبات الشعوب.

إن التهديد التي تتعرض له الدولة في بنيتها، ما يُهدد وجودها، يُعبر عن تلك الدول العربية غير القومية مثل العالم المُتطور، بل أنها هي نموذج مُشوه نتج عن العديد من المُعطيات بدءًا بالاستمرار و انتهاءًا بالفساد الداخلي لتلك الدُول التي أصبحت لا تلبي رغبات الشعوب في عدم تحقيقها أهدافها التي عبرت عنها في خطاباها القومي المُستمر منذ صعود العسكر في الخمسينات إلى سدة الحُكم في الدول العربية.

 إن هذا التشوه في بنية الدولة العربية يُؤدي إلى فشلها في تحقيق تنمية حقيقية لتلك الدولة على كل المستويات السياسية، و الاقتصادية، و الاجتماعية من أجل الرقي بالدول العربية و الحفاظ على بنيتها.

فالمجتمعات بحاجة إلى الدولة، كون الطبيعة البشرية بحاجة إلى الدولة من أجل تنظيم حياتها، وإدارة مصالحها وفق رغباتها و احتياجاتها في العيش حياة كريمة ذات سيادة، فإن الحديث عن ذلك لا يعني بالمُطلق التبرير للدولة، بل أنه يتوجب علينا النظر في العوامل المادية و المعنوية لتشكيل الدولة في السياق التاريخي، الذي له الدور الأكبر في إبراز تلك البنية المشوهة للدولة العربية.

فتحليل هوية الدولة و معرفة طبيعة عملها، و الحركات الاجتماعية بداخلها؛ هي الطريق الرئيسي لمعرفة الأزمة التي تمر بها الدولة العربية القومية الحديثة، إن المسألة ليست مسألة الديمقراطية بقدر أنها مسألة الدولة ذاتها، فالأمر يتعلق بالمسار التاريخي للدولة العربية، بعكس الدول الأوروبية التي تُمثل فيها الدولة رغبات و احتياجات مواطنيها وليس الخارج.

إن العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع هو عقد يُعبر عن حالة التجاهل من قبل الدولة تجاه المُجتمع الداخلي عبر استخدام وسائل العُنف في كل من يُعارض سياسات الدولة التي تنبع من الخارج، إن القوي هو بحاجة إلى السيادة الوطنية وعدم الاستفراد بالشعوب، وليس بحاجة إلى ديمقراطية محددة و مفصلة وفق ما تراه نُخب الدولة الحاكمة.

فــ “برجوازية الدولة” سادت في الدول العربية بفعل التدخل الكبير للدولة في مصادر دخل الشعب، وبالتالي فإن شعار “الكفاية في الداخل والشوكة في مُواجهة الخارج” سقط و أصبح هُناك شعار “العنف في الداخل والحماية من قبل الخارج”، لذلك تم الخروج من عالم القداسة إلى عالم السياسة، ما نشهد نتائجه اليوم في عمليات التحول الحديثة في الدولة العربية، و الميول نحو التشدد الديني بسبب فشل الأنظمة العربية في تحقيق الأهداف القومية.

و لا يخفى علينا أن نتحدث عن نمط الإنتاج في الدولة العربية، وهو الأساس الجوهري من أجل فهم طبيعة الدولة، وطبيعة الحكم فيها، حيث أن أسباب إعاقة تنمية الدولة العربية مصدره الأساسي نمط الإنتاج في تلك الدول، بالإضافة إلى محدودية الإنتاج والاعتماد الكامل للشعوب على ريع الدولة العربية لها، إن عدم وجود حكم رشيد ومشروع دخل ثابت يُفقد الدولة مشروعيتها، فهيمنة التمدد السياسي على توجهات النشاط الاقتصادي لن ينفع في ظل تراجع الدولة العربية، بل يُضعف بنيتها الداخلية، إن الحوكمة الرشيدة هي نظام الرقابة والتوجيه لعمل الدولة، و العمل على فعالية المؤسسات الداخلية من أجل تنظيم وإدارة مصالح الشعوب، وتمكين المُجتمع المدني.

إن الدولة العربية الحديثة هي ليست عالمُا ثالثًا، بل أنها في مرتبة أقل من ذلك إذا ما قورنت مع الدول غير العربية من العالم الثالث، مثل ماليزيا و كوريا، فهي ليست دولة قومية حديثة، وإنما هي دولة ذات نموذج مُشوه لا يُعبر عن شيء سوى الاعتماد على الخارج في بعضها، والآخر في الاعتماد على بيع الموارد الطبيعية للخارج، فكلاهما بقاء بائس من أجل الخارج، وهناك العديد من المفاهيم لطبيعة الدولة العربية القومية الحديثة؛ الدولة الرخوية، الدولة الريعية، الدولة التسلطية، الدولة التابعة، الدولة البيروقراطية، دولة ما بعد الاستعمار الكولوينالي، وغير ذلك من الأنماط المُشوهة التي لا تمتلك نمط إنتاج حقيقي يُعبر عن تنميتها.

إن العوامل الداخلية و الخارجية تجمعت من أجل تهيئة الشعوب للقيام بالثورة؛ إذ أن العوامل الداخلية كان لها الدور الأبرز و الأهمية الكبيرة في قيام الثورات، فالتدخلات الخارجية منذ قديم الزمان من قبل الدول الاستعمارية بأشكال مباشرة وغير مُباشرة، إلا أن نظرية المؤامرة التي تُروج لها الأنظمة العربية هي صنيعتها، وبالتالي فإن العوامل الداخلية التي زادت من بُؤس الشعوب هي من ساهمت بشكل أساسي في قيام الثورات في الدولة العربية.

إن أسباب الثورة الأساسية تكمن في الآتي كما وصفها الدكتور برهان غليون؛ غياب الإصلاحات، انعدام الأفق في التغيير نحو الأفضل، فساد النُخبة الحاكمة، زيادة فجوة طبقات المُجتمع، تدهور الأوضاع الاقتصادية، إن تلك الأسباب ازدادت شيئا فشيئا ما أثارت الشعوب ضد الدولة التي أصبحت لا تلبي احتياجاتها و لا تُحقق أهدافها التي تنص عليها في خطابها القومي المُعتاد، إن انتشار الفقر و تدني مستويات المعيشة و زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء نتيجة لممارسات احتكارية من الدولة, بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الاجتماعية المترتبة على تدهور تلك الأوضاع الاقتصادية قد يؤدى إلى ثورة الشعوب على تلك الأوضاع.

إن أسباب الانتقال الديمقراطي هي شبيهة بأسباب الثورة، كون الشعوب هي بحاجة إلى من يُقدم لها الأفضل على المستوى السياسي، و الاقتصادي، و الاجتماعي، من أجل تحسين ظروف و أوضاع الناس الحياتية من أجل حياة كريمة لهم.

 إلا أن موجة الربيع العربي أثرت على المنطقة بأكملها، إما بالسقوط الكامل للدولة أو غلبة الطبيعة القبلية على طبيعة الدولة الحاكمة مثل أو التهديد الصريح لبنية الدولة مثل مصر وتونس، ودول أخرى.

نستنتج من ذلك أن الثورات هي حالة صيرورة في كونها لها بداية، لكنها ربما لم تنضج بالشكل المطلوب التي تعمل على الانتقال الديمقراطي للدولة، كون تلك الدول يُوجد بها نخبة مُتغلغلة في كل تلابيب الدولة، وبالتالي فإن الانتقال الديمقراطي بحاجة إلى نضوج الثورات من أجل أن تؤسس لبنية دولة قويمة وحديثة تعمل على إدارة مصالح شعوبها، وتنظيم حياتهم، وتلبية احتياجاتهم.

وبالتالي فإن الثورات لا يُمكن اعتبارها لها نهاية، كونها تراكمية مُستمرة تتدحرج إلى الوصول إلى مرحلة الاستقرار السياسي المبني على بُنية الدولة الحديثة التي تعمل من أجل تلبية احتياجات شعبها، الاقتصادية، و السياسية، و الاجتماعية وفق المبادئ و القيم الديمقراطية لنموذج الدولة الحديثة، وليس المُشوهة وفق ما نراه في الدول العربية في هذه الأيام.