نظام السيسي: أي مرجعية أيديولوجية للتنمية؟ - مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية
نظام السيسي: أي مرجعية أيديولوجية للتنمية؟

نظام السيسي: أي مرجعية أيديولوجية للتنمية؟




التنمية بالمعنى العام هي مفهوم التغيير نحو الأفضل الذي يشمل الإنسان والمجتمع والدولة، ويشمل النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وتختلف التنمية عن التغيير في كون الثاني حدثا موضوعيا، لا يصف تطوراً إيجابياً أو سلبياً، بينما التنمية عملية تغيير ذات طبيعة معيارية من الناحية القيمية، فيجب أن تكون إيجابية، وواضحة من حيث نقطة البداية والنهاية.

ومن هنا تأتي أهمية تناول المرجعية الأيدلوجية للتنمية، لأنها تُقدمدليلاً تفسيرياًيساعد على فهم مستقبل التنمية في أحد الأنظمة، وطبيعة السياسات التي يفضلها النظام، وهل ستؤدي إلى إحداث تنمية حقيقية أم لا؟ وهكذا.

وفي هذه الورقة نتناول موضوع المرجعية الأيدلوجية للتنمية لدى نظام السيسي، ونحاول الوقوف على أقرب الأيدولوجيات التي يفضلها نظام السيسي منهجا لعملية التنمية، ولن نتطرق إلى تقييم هذه الأيدلوجية، لأن غرض الورقة هو التحديد الأولي لأيدلوجيا النظام، دونما الخوض في الاختلافات الأيدلوجية.

في سبيل هذا، سنقسم الورقة إلى بعض المحاور الرئيسية، المحور الأول يتعلق بالتطور النظري لأدبيات التنمية بصفة عامة، ثم ننتقل لتناول أبرز وصفات التنمية التي طورتها القوى السياسية في مصر، خاصة التيارات الليبرالية واليسارية والناصرية، ومن ثم يمكننا استنتاج أقرب هذه الأيدولوجيات لنظام السيسي، وتحديد أبرز ملامح النموذج الحالي للتنمية.

أولا-التطور النظري لأيدولوجيات التنمية:

ظهرت الحاجة لوجود ثمة وصفة نظرية لتحقيق التنمية عقب الحرب العالمية الثانية، نتيجة للحاجة السياسية لخلق نوع من التمايز النظري في عالم الثنائية القطبية، واستخدام هذا التمايز كأساس لتقسيم دول العالم بين القطبين الكبيرين حينذاك، وأنتج هذا كما هائلا من النظريات التي تضع منهجا وقالبا لطريق التنمية، وافترقت هذه النظريات بالأساس وفقا للمعيارين الاقتصادي والسياسي.

النظريات الليبرالية

هي النظريات الرأسمالية، التي تعتقد في قيادة القطاع الخاص للتنمية، في مقابل دور محدود للدولة في أغلب الأحيان، وعالجت هذه النظريات مسألة التنمية من منظور الفكر الليبرالي، وركزت بشكل رئيسي على البعد السياسي لعملية التنمية.

  • ظهر الجيل الأول من هذه الكتابات في إطار نظريات الحداثة، وانقسمت هذه الكتابات إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:

    • الاتجاه الأول هو اتجاه التنمية السياسية، و اتفقتمعظم كتابات هذه الاتجاه على ضرورة تزايد معدلات التباين والتخصص في الأبنية السياسية، وتعميق ثقافة المشاركة، وترسيخ مفاهيم المواطنة والولاء للدولة القومية والسيادة، وإيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الغربية.

  • أما الاتجاه الثاني هو اتجاه ” الحداثة” أو “التحديث”، وترى هذه المجموعة من الكتابات أن التنمية ستحدث في “العالم الثالث” عن طريق نقل الأفكار والقيم الغربية، والتوسع في عملية التصنيع، التي ستتخطى العقبات الثقافية و تمهد الطريق “للتغريب”، أي تحقيق النمط الغربي في التطور.

  • الاتجاه الثالث والأخير في هذه الجيلارتكز على الربط بين الديموقراطية والتنمية الاقتصادية، واتفق هذا على أن الديمقراطية شرطاً لتحقيق التنمية الاقتصادية، والديمقراطية تعني مشاركة الجماعات المختلفة داخل الدولة في السلطة، والإقرار بالحق في التعبير وإنشاء نظاما تعدديا.

  • وانقسم الجيل الثاني أو “تيار ما بعد الحداثة” إلى ثلاثة طوائف أيضا:

    • ركزت الطائفة الأولى منه على البعد السياسي للتنمية المستدامة وينطلق هذا الاتجاه من مسألة ندرة الموارد وطبيعة تعامل الحكومة مع هذا التحدي من خلال السياسات العامة لها.

  • أما الاتجاه الثاني انطلق من مسألة التوازن بين الدولة والمجتمع، وتبنى التقسيم على ترتيب طبيعة العلاقة بينهما على النحو التالي: دولة قوية ومجتمع قوي، دولة ضعيفة ومجتمع قوي، دولة قوية ومجتمع ضعيف، دولة ضعيفة ومجتمع ضعيف، ما يعني ضرورة العمل على تمكين المجتمع المدني وتطويره.

  • بينما طرح الاتجاه الثالث مفهوم “الحُكم الرشيد”، ووضع بعض المعايير القيمية للأداء الحكومي، مثل الشفافية والمسائلة والمحاسبة والكفاءة.

أطروحات اليسار

خرجت أغلب هذه النظريات من العباءة الماركسية، وأبرز هذه التصورات هو التصور خماسي المراحل في الإعلان الشيوعي، ويفترض أن المجتمعات الإنسانية مرت بمراحل الإنتاج الشيوعي البدائي إلى نمط الإنتاج العبودي، ثم الإقطاع، ثم إلى الرأسمالية، الذي سيؤدي إلى الاشتراكية ومن ثم الشيوعية، حيث لا وجود للملكية الخاصة، كما تفترض هذه النظرية عدم مرور المجتمعات غير الأوروبية بهذه المراحل، وترجح أنها ستؤدي إلى ركود هذه المجتمعات.

وفي ظل عدم تحقق فرضية ماركس حتى اليوم، ظهرت بعض اتجاهات النقد لهذه الفرضية من عدة مدارس محسوبة على اليسار، أبرزها كانت كتابات مدرسة التبعية و التي طورت على يد بعض مفكري أمريكا اللاتينية وأفريقيا، وانصب تحليلهم على ارتباط النخب المحلية في دول الجنوب بمصالح مع نخب دول الشمال وأليات السوق العالمي، لذا تفترض المدرسة ضرورة قطع دول الجنوب علاقاتها الاقتصادية بالسوق العالمية، باعتباره الخطوة الصحيحة لتحقيق التحرر الوطني وتوسيع الطاقة الإنتاجية وفقا للحاجات المحلية للمواطنين.

وعلى أي حال ركزت أطروحات اليسار على محورية دور الدولة في تحقيق التنمية السياسية، والاعتماد بشكل رئيسي على القطاع العام في قيادة عملية التنمية، بالتوازي مع الخروج عن السوق العالمية وحركة التجارة الدولية، التي ترى هذه المدارس إنها مُصممة لخدمة مصالح الرأسمالية الغربية.

التنمية السياسية والمؤسسات المالية الدولية

أنشئت هذه المؤسسات بعد الحرب العالمية الثانية، وظهور الحاجة لتقديم مساعدات للدول والشعوب الفقيرة، وانبثقت المؤسسات المالية متعددة الأطراف عن مؤتمر بريتون وودز في 1944، وجاء هذا التحول كرغبة مشتركة بين الدول المانحة والمتلقية للمساعدات، لكونه شكلا أفضل من المساعدات الثنائية، وعلى الرغم من استبعاد أغلب هذه المؤسسات للاعتبارات السياسية من الناحية الظاهرية، إلا إنها تهتم بالجانب التقني لشئون الحٌكم بصفة عامة، كما تهدف هذه المؤسسات تعميق ارتباط الدول المتلقية للمعونة بالسوق العالمية، وتشترك هذه المؤسسات ( الأمم المتحدة- البنك الدولي- صندوق النقد الدولي) في وضع شروط معينة لتحديد قابلية أحد الأنظمة لتلقي المساعدات، وتفترض أن أسلوب الحكم هو عاملا حاسما في تحقيق التنمية، وخصائص هذه الأسلوبكما يلي:

  • تفضيل اقتصاديات السوق على اقتصاديات التخطيط المركزي.

  • البحث عن أشكال للحكم أكثر ديمقراطية واستيعابا، تفاديا للسخط الشعبي.

  • عدم كفاءة مشروعات الدولة والهيئات العامة في الأزمات المالية، ما يقتضي تقليص دور الدولة.

  • التركيز على مكافحة الفساد، لما له من أضرار على الموارد الداخلية والمساعدات الخارجية.

  • بناء المجتمع على أسس غير تمييزية، لما للمشكلات الأثنية من دور معوق في بناء الأمة.

ثانيا-أبعاد التنمية وفقا للقوى الليبرالية المصرية:

بمراجعة أدبيات الليبرالية في مصر خلال العقدين الأخيرين، خاصة رؤي حزب الوفد الجديد وجمعية النداء الجديد وحزب المصريين الأحرار، يتضح أن هناك ثمة توافق ليبرالي حول الطريقة الواجب اتباعها لتحقيق التنمية في مصر، وجاءت أبرز المشتركات بين هذه القوى على النحو التالي:

تحرير الاقتصاد:

اشتركت الرؤى الليبرالية في ضرورة تحرير الاقتصاد المصري كطريقة وحيدة لتحقيق التنمية، وتقليص دور الدولة الإنتاجي في المجال الاقتصادي، في مقابل التعظيم من دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي الإنتاجي، وجاءت أبرز ملامح تحرير الاقتصاد المصري كما يلي:

التحول من القطاع العام إلى القطاع الخاص:

ترفض الأدبيات الليبرالية انشغال الدولة بالنشاط الإنتاجي، وترى إنه يأتي على حساب الخدمات التعليمية والصحية والبنية الأساسية، وترهن تحسين هذه الخدمات بانكماش وجود الدولة في إنتاج السلع والخدمات من أجل الربح، وتطرح القوى الليبرالية خياري مشاركة الدولة للقطاع الخاص أو بيع شركات القطاع العام بشكل تدريجي مع مراعاة حقوق العاملين، كما رأت جمعية النداء الجديد أن النخبة البيروقراطية ستقف عائقا أمام تحقيق مشروع الخصخة.

استبدال التخطيط المركزي بأليات السوق:

لا تؤمن القوى الليبرالية بالتخطيط المركزي، وترى أنه يلقى العبء على المواطن العادي، بينما لا تتحمل السلطة أي مسئولية حال الفشل، بينما ترى أن نظام السوق يوفق بين السلطة والمسئولية، ويقعان هنا على صاحب المال الذي يتحمل تبعات قراراته، حيث تعكس الأسعار التفاعل بين قوى العرض والطلب، وتخضع عملية توزيع الموارد لمبدأ الربحية النسبية، ويكون المشروع الخاص والمبادرة الفردية واسطة العقد في تحريك وتنمية الاقتصاد القومي وفق الرؤية الليبرالية.

وظائف الدولة:

في مقابل ترك الدولة للإنتاج المباشر للسلع والخدمات، حددت القوى الليبرالية دور الدولة في الاقتصاد في عدة وظائف أساسية، على رأسها الوظيفة الماكرواقتصادية وتتعلق بالسياسات النقدية والمالية بما يمنع التضخم النقدي وتخفيض البطالة وتحقيق التوازن الخارجي في ميزان المدفوعات، كما تمنح الدولة وظيفة رقابية على جودة المنتجات ومنع الاحتكارات، بينما سمحت القوى الليبرالية للدولة أداء بعض الخدمات الأساسية التي لا يجب تقديمها من قبل القطاع الخاص، خاصة قطاعات الدفاع والأمن والقضاء.

تحرير القطاع الصناعي:

اتفقت القوى الليبرالية على أن التصنيع هو أساس تطوير الاقتصاد المصري مع السياحة، وتفضل سياسة التصنيع الإحلالي بما يحقق تنمية الصادرات و تقليل الواردات و إشباع السوق المحلي، عن طريق اعتماد المرونة في سعر صرف العملة المحلية، والتحكم في معدلات التضخم، وتطبيق بعض السياسات الحمائية الانتقائية للصناعات الوطنية المتميزة، وتركيز الاهتمام بها بالاعتماد على القطاع الخاص، وإعطاء الأولوية للتعليم في الإنفاق العام.

أولوية البعد الاجتماعي

  • توزيع الدخل: رأى حزبا الوفد و المصريين الأحرار ضرورة الربط بين الأجور والأسعار والأداء، والمحافظة على حقوق العمال.

  • الخدمات الاجتماعية: تمثلت في التأكيد على ضرورة قيام الدولة بتقديم خدمات التعليم والصحة وتدريب القوى العاملة.

  • الرعاية الاجتماعية: ترى القوى الليبرالية ضرورة قيام الدولة بتقديم يد المساعدة إلى الفقراء وتوفير شبكة أمان اجتماعي لهم.

الديمقراطية:

لا تفصل الأدبيات الليبرالية في مصر بين التحرير الاقتصادي والسياسي، وتعتبر تحقيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والحريات الاجتماعية والفردية شروطا رئيسية في تحقيق التنمية، و ترى أنه لا يمكن تحقيق إصلاح اقتصادي دون إصلاح سياسي يكون من شأنه تقوية المؤسسات الدستورية والشعبية وتحقيق التوازن بين السلطات.

ثالثا-التنمية في رؤية الماركسيين المصريين:

بٌنى النسق الماركسي المصري في  سبعينات القرن الماضي على ثلاث عناصر رئيسية، الأولى هي استحالة تحقيق الاستقلال الوطني وحمايته دونما تحقيق تنمية اقتصادية، والثانية تمثلت في عدم قدرة الرأسمالية المصرية على قيادة وانتهاج تنمية رأسمالية مستقلة، لعوامل يرجعها الماركسيون إلى تبعية الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد الغربي، والطابع الطفيلي للرأسمالية المصرية وغيرها من الأسباب، أما العنصر الأخير يتمثل في أن استراتيجية التنمية الاشتراكية المنطلقة من التخطيط والملكية الجماعية هي المؤهلة لتحقيق التنمية أو ما يُعرف بـ”حتمية الحل الاشتراكي”،وتتمثل ملامح هذا الحل – وفقا لفؤاد مرسي-في تصفية علاقات الإنتاج قبل الرأسمالية عبر الإصلاح الزراعي، و تصفية المصالح الاقتصادية الأجنبية بالتأميم، و التحول من القطاع الزراعي إلى الصناعي، والتركيز على بناء قاعدة صناعية متنوعة تراعي التناسب بين الصناعات الثقيلة والصناعات الاستهلاكية، والاتخاذ من القطاع العام قاعدة للتنمية وقائدا لها ويعمل في ظله القطاع الخاص، وانتهاج السوق المُخطط والتخطيط التنموي الشامل وطويل الأجل.

ومع تصاعد حركة الردة على الناصرية وتطبيق سياسة الانفتاح الاقتصادي على السوق الرأسمالي العالمي، علاوة على انهيار منظومة الدول الاشتراكية منذ 1989 واختلال توازن القوى الدولي وما صاحبها من حالة الإحباط والنقد التي لاحقت الحركات الماركسية، بالإضافة لتصاعد عملية العولمة، أدى كل ذلك إلى إعادة النظر في الطرح الماركسي المصري للتنمية.

استبدل أغلب الماركسيون فرضية حتمية الحل الاشتراكي أو”آنيةالاشتراكية”، بفرضية أخرى هي استراتيجية المرحلة التاريخية الانتقالية الجديدة، وتتلخص في استبدال قيادة عملية التنمية والانتقال الاشتراكي من السلطة الاشتراكية إلى سلطة أخرى ذات طبيعة مركبة تجمع بين عناصر رأسمالية وأخرى اشتراكية وتقوده سلطة ديمقراطية شعبية. وظهرت هذه الاستراتيجية بشكل أكثر تفصيلا في برنامج حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي في مؤتمره عام 1998، والثانية صاغها الدكتور سمير أمين منذ أواسط الثمانينات وهو أحد أبرز المنظرين الماركسيين.

برنامج حزب التجمع

يؤمن الحزب بالتنمية المستقلة كخطوة انتقالية قبيل تحقق مجتمع الاشتراكية، وتتكون قاعدة التنمية المستقلة فيه من تحالف ديموقراطي تقدمي يضم الطبقة العاملة والفلاحين والفئات الوسطى وعناصر الرأسمالية التي تتعارض مصالحها مع الانفتاح على الرأسمالية العالمية، ويتكون الهيكل الاقتصادي المحتوي والمنظم وفقا لهذه السياسات مما يلي:

  • وجود دور رئيسي للدولة في التنمية المستقلة، بشكل يتخطى التوجيه غير المباشر عبر السياسات المالية والنقدية وغيرها، لصالح دور مباشر و محوري في مجالات الاستثمار والإنتاج والتوزيع، ما يتضمن دورا قياديا للقطاع العام في الاقتصاد الوطني.

  • السماح بلعب القطاع الخاص ورأس المال الأجنبي دورا داخل الاقتصاد الوطني، مع اشتراط الوطنية والطابع الإنتاجي والخضوع للسياسات العامة المناهضة للاحتكار والاستغلال.

  • استخدام آليات التخطيط و آليات السوق، و وضع آليات التخطيط في موقع السيطرة والقيادة، بهدف تأمين الحركة السريعة والمتواصلة نحو التنمية.

رؤية سمير أمين:

بنى سمير أمين فرضيته على ضرورة فك الارتباط مع النظام الرأسمالي العالمي، من خلال تنفيذ استراتيجية تنمية وطنية شعبية مستقلة، قوامها “قانون شعبي ووطني للقيمة” يكون مستقلا عن معايير النظام العالمي الرأسمالي، ومعبر عن مساهمة المنتجين في الثروات الوطنية، وتكون مهامه هي السيطرة على إعادة تكوين قوة العمل، والسيطرة على السوق الداخلي، والأسواق المالية والنقدية، ومركزة رأس المال، والسيطرة على الموارد التكنولوجية والطبيعية،ويتم ذلك من خلال تحالف يرتكز على هيمنة القوى الاشتراكية دون إلغاء للقوى الرأسمالية، عبر الخطوات التالية:

  • سيطرة نمط الإنتاج الاشتراكي بصوره المتنوعة، مع وجود الإنتاج الرأسمالي المتوسط والصغير.

  • اتباع سياسة السوق المخطط، وإقرار نسب تبادل متكافئة لفئات التحالف الشعبي.

  • اتباع آليات ديمقراطية تتيح التعبير الحر والمتساوي لفئات التحالف وتأسيس آليات للتفاوض الاقتصادي.

  • ضرورة دور الدولة في سياسات التخطيط وإعادة توزيع الدخل ونقل وتنمية التكنولوجيا.

  • لعبت البيروقراطية دور أصيلا بجوار القوى الرأسمالية والاشتراكية.

رابعا-مفهوم التنمية لدى الحزب الناصري:

ينطلق الحزب الناصري من رؤية مفادها أن “الناصرية مازالت تعد إطارا صالحا للتطبيق”، ولازالت تشكل أفق السياسة العربية على الرغم من انتكاس مشروعها والمتغيرات التي يشهدها العصر الحالي، وبناء عليه يرتكز مشروع الحزب على:

  • الاستقلال الوطني في مواجهة قوى الهيمنة والاستغلال والقوى الطامعة.

  • التنمية المستقلة هي المخرج وحيد من التخلف والتبعية.

  • العدالة الاجتماعية هي المدخل الرئيسي لأية تنمية مستقلة، وتقوم على تذويب الفوارق بين الطبقات.

  • الديمقراطية السياسية والتعددية الفكرية والتنظيمية وتداول السلطة، وأن الديمقراطية السياسية لا تغني عن الديمقراطية الاجتماعية.

  • الاهتمام بالثقافة القومية والبعد العربي لمصر.

ويتبني الحزب ثلاث مفاهيم رئيسية عن التنمية، هي مفاهيم التنمية المستقلة، و الشاملة، و الاشتراكية، وفيما يلي أبرز عناصر هذه المفاهيم:

  • التنمية المستقلة:

يعرّفها الحزب بانها التنمية التي يتم فيها الاعتماد على الذات دونما الانغلاق عن العالم الخارجي، والاستقلال هنا مادي وفكري، المادي يشير إلى الاعتماد على رأس المال الوطني وسيطرة قوى الشعب على القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والموارد، مع إتاحة الفرصة للقطاع الخاص بالمشاركة وفق الخطة العامة للدولة.

بينما يرفض الحزب رأس المال الأجنبي ويرى أن له دورا سلبيا في تحقيق التنمية المستقلة، ويرفض عموما حرية حركة رأس المال، ويلزم الدولة بتوفير الخدمات الأساسية للفئات الكادحة.

وفقا لنهج التنمية المستقلة يرفض الحزب تعامل الدولة مع الرأسمالية العالمية وقبولها لشروط صندوق النقد الدولي، ويرى إنها تستهدف حصار الاقتصاد الوطني.

  • التنمية الشاملة:

تمتد التنمية عند الحزب الناصري لتشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبشرية والأمنية والسياسية، ويعتبر الحزب أن البعد الأهم هو البعد الاقتصادي ثم تأتي بعده الأبعاد الأخرى، وارتكز البعد الاقتصادي في التنمية الشاملة على ما يلي:

  • التأكيد على دور الدولة المركزي في تحقيق التنمية، ويعتبرها طرفا أساسيا وليست بدعة ماركسية، كما يرى الحزب أن البرجوازية الوطنية غير قادرة على بناء قاعدة اقتصادية مستقلة، نظرا لارتباطها بعلاقات تبعية مع القوى الغربية وفق برنامج الحزب.

  • الأخذ بالتخطيط القومي الشامل، وسنتناوله أكثر تفصيلا في مفهوم التنمية الاشتراكية اللاحق.

  • سيطرة الشعب على الثورة والسلطة، ويتم هذا عبر المحافظة على القطاع العام في المجالات الاستراتيجية والحيوية واعتباره المسئول الرئيسي في خطة التنمية، مع مشاركة محدودة للقطاع الخاص.

ج-التنمية الاشتراكية:

تعد الاشتراكية مبدأ أصيلا لدى الحزب الناصري، ويرفض الحزب المنهج الرأسمالي للتنمية، ويعتبر أن الخيار الاشتراكي هو الأمثل لمواجهة كل المشكلات سواء القادمة من الداخل أو الخارج، وتقوم التنمية الاشتراكية على الأسس التالية:

  • التخطيط المركزي ولامركزية التنفيذ، حيث يفرّق الحزب بين رؤيته للتخطيط المركزي والرؤية الماركسية، بأن الأخير تتم صياغته بشكل فوقي ويتم فرضه على كافة الوحدات والأفراد، بينما التخطيط الناصري لا يفرض سوى على الوحدات التابعة للمركز، وربما أراد الحزب هنا الإشارة الى مشاركة فئات الشعب للدولة في العمل التخطيطي.

  • تحقيق التكامل الاقتصادي الإقليمي مع الدول العربية، حتى يتسنى تحقيق مجتمع الكفاية والعدل.

  • الاشتراكية العربية تختلف عن الاشتراكيات الأخرى في كونها ذات بعدا دينيا.

خامسا-ملامح أيدلوجيا نظام السيسي:

عرفت مصر في عصرها الحديث ثلاث تجارب تنموية مختلفة من الناحية الأيدلوجية، التجربة الأولى كانت في عهد محمد على، وانصبت على إقامة اقتصاد صناعي كبير ودولة قوية، أما التجربة الثانية كانت في عهد جمال عبد الناصر، وركزت على الجوانب الاقتصادية دونما الاهتمام بالنواحي السياسية، وأدت إلى تضخيم سلطة الدولة مع تهميش دور القانون والديمقراطية لصالح تحقيق مصالح النخبة السياسية، وبعد مرحلة انتقالية في سبعينات القرن الماضي، ظهرت في مصر التجربة الثالثة للتنمية واستهدفت إجراءات اصلاح اقتصادي وهيكلي يحقق ضبط المؤشرات المالية مثل العجز والتضخم واستقرار سعر الصرف وزيادة الناتج المحلي بما يؤدي إلى نقل مصر من عداد الدول الفقيرة إلى الدول متوسطة الدخل.

وبعد سنوات اللااستقرار الأخيرة في مصر، يبدو أن نظام السيسي قد عمد إلى تفعيل اقترابا جديدا لنموذج التنمية الواجب اتباعه، ينطلق هذا النموذج بالأساس من محاولة الحفاظ على الاستقرار الداخلي، في ظل اعتقاد بوجود تحديات داخلية وخارجيةتحيط بمصر، ويعتبر نموذج التنمية الحالي أقرب ما يكون إلى النموذج الناصري، ويختلف معه فقط في الالتزام بأجندة المؤسسات الدولية في خفض دور الدولة، في مقابل تقوية دور القوات المسلحة، وهو نموذج أقرب إلى رأسمالية الدولة، ويمكنالإشارة إلى أبرز ملامح هذا النموذج على النحو التالي:

  • تزايد الدور الإنتاجي للجيش

يمكن القول أن السيسي استعاض بتكثيف الدور الإنتاجي للجيش عن دور القطاع العام في الطرح الناصري، حيث يعمل الأول على تنفيذ المشروعات الاقتصادية الكبرى التي يتبناها السيسي، ويشرف عليها من النواحي الفنية والمالية، ثم من بعده تأتي أدوار القطاعين العام و الخاص، الذين يعملا وفق مخطط اقتصادي تتبناه الدولة متمثلة في الرئاسة، ويمتد دور الجيش للقيام ببعض الأدوار الرئيسية في النواحي الاجتماعية أيضا، وهي المجالات التي كان يضطلع بها فيما سبق مؤسسات الدولة أو منظمات المجتمع المدني.

  • تراجع الدور الاقتصادي للدولة

في مقابل تزايد دور القوات المسلحة، يوظف نظام السيسي قرض صندوق النقد الدولي في تقليص الدور الاقتصادي للدولة، خاصة فيما يتعلق بسياسات الانفاق الاجتماعي، أو السياسات المالية، ويعتبر هذا الملمح استكمالا لنموذج التنمية المصري الثالث سابق الإشارة، إلا إنه يختلف عنه في وضعية القطاع الخاص من عملية التنمية، علاوة على تراجع الاستثمارات الأجنبية، وتراجع الانفتاح بصفة عامة على السوق الدولية، سواء من خلال حركة رؤوس الأموال أو حركة السلع والخدمات.

  • هامشية الأبعاد السياسية

لا يبدو أن نموذج السيسي يكترث كثيرا بالبعد السياسي لعملية التنمية، بالحد الذي يسمح له بعدم تكوين ظهير سياسي واضح يعكس مصالح نخبة الحكم حتى الأن، وعلى العكس أدت سياسات نظام السيسي إلى تراجع معدلات المشاركة السياسية، وانخفاض مستوى التنافس السياسي بين القوى السياسية المختلفة، الأكثر أن النظام يتخذ بعض الإجراءات التي من شأنها تقويض قدرة العملية السياسية على التأثير في عملية صناعة واتخاذ القرار، ويعمل على خفض هامش الديمقراطية، كما تلقى النظام انتقادات عدة تتعلق بأوضاع حقوق الإنسان، في دلالة على موقفه السلبي من البعد السياسي لمسألة التنمية.

  • البعد الأمني لعملية التنمية

أضاف نظام السيسي مسألة ” مكافحة الإرهاب” إلى مفهوم التنمية الشاملة، وهو هنا لا يعني فقط مكافحة التنظيمات الإرهابية، ويمتد المفهوم ليشمل محاربة كافة أشكال الإرهاب، وبصفة عامة يمثل الإرهاب في نموذج السيسي أبرز كوابح عملية التنمية.

  • سمات الخطاب السياسي

بمراجعة بعض البيانات والخطب الرسمية الصادرة عن الرئاسة، يتضح أنها استخدمت نفس مفردات الأدبيات الناصرية فيما يتعلق بمسألة التنمية، فلقد تحدث السيسي في مايو 2017 عن تحقيق التكامل الإقليمي العربي واعتبره من أهم أليات تحقيق التنمية المستدامة في العالم العربي، كما كرر السيسي استخدامه لمفهوم “التنمية الشاملة” وهو مفهوم محسوبا على الرؤية الناصرية للتنمية في مصر.

الأكثر أن السيسي استخدم نفس الأمثلة التي استخدمها جمال عبد الناصر، في سياق دعوته المواطنين إلى تقليل استهلاكهم اليومي، ومن اللافت أن هناك عدة تشابهات أخرى بين السيسي وعبد الناصر، فقد بني كليهما شرعيتهما الداخلية انطلاقا من قناة السويس، علاوة على استخدام الطرفين لمفهوم الاستقلال الوطني كأحد أهداف التنمية، كما إنهما أتيا إلى الحكم دونما ظهير سياسي سوى دعم القوات المسلحة.

  • دعم الدولة في مقابل المجتمع

 من ناحية علاقة الدولة والمجتمع، يستهدف نموذج النظام الحالي تقوية دور الدولة في مقابل إضعاف قدرة المجتمع على المشاركة في عملية التنمية، حيث يبدو جليا تراجع نشاط المجتمع المدني في مصر في ظل تنفيذ بعض الإجراءات التي استهدفت تعميق اشراف مؤسسات الدولة على عمل المجتمع المدني، ما تم ترجمته مؤخرا في قانون الجمعيات الأهلية الجديد.

الهوامش:

  • Palmer, Monte, “Dilemmas of Political Development”, (Peace book publishers, INC: 1986), p8.

  • Bhagawati, Jagdish,” Democracy and Development”, Journal of Democracy, Vol 3, No 2,P 55.

  • Ronald Chilcote, “Theories of Development and under Development”, West View Press, London, 1984, p19.

  • برنامج حزب الوفد.

  • برنامج حزب المصريين الأحرار

  • سعيد النجار، “تجديد النظام الاقتصادي والسياسي في مصر”، دار الشروق، القاهرة، 1997.

  • سعيد النجار، “جمعية النداء الجديد، المبادئ والركائز الأساسية”، القاهرة(بدون تاريخ).

  • فؤاد مرسي، “حتمية الحل الاشتراكي: سياسيا واقتصاديا وفلسفيا”، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، 1967.

  • حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي،” البرنامج العام للحزب: بناء المشاركة الشعبية”، كتاب الأهالي، القاهرة، 1999.

  • سمير أمين، ” من نقد الدولة السوفيتية إلى نقد الدولة الوطنية، مركز البحوث العربية، القاهرة، 1992.

  • برنامج الحزب العربي الديمقراطي الناصري.

  • سمير رمزي، ” أثر تزايد الدور التنموي للجيش على الاستقرار السياسي في مصر”، مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، القاهرة، 2017. على الرابط:http://pss.elbadil.com/2017/01/11/1548/

  • سوزان عاطف، ” السيسي: التكامل الإقليمي أهم ألية لتحقيق التنمية المستدامة بالوطن العربي”، المصري اليوم(القاهرة)، 14/5/2017. على الرابط:http://www.almasryalyoum.com/news/details/1133577